القرطبي

75

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ( 1 ) " الآية . ففعل ذلك . وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ، ليثقوا بالنصر ، وليستيقنوا بالنجح ، وكان عمر يفعل ذلك : فلم يزل الفتح يتوالى شرقا وغربا ، برا وبحرا ، قال الله تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ( 2 ) " وقال : " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " . وقال " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ( 4 ) " وقال : " ألم . غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ( 5 ) " . فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين ، أو من أوقفه عليها رب العالمين ، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكون دلالة على صدقه . ومنها : ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام ، في الحلال والحرام ، وفي سائر الأحكام . ومنها الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي . ومنها : التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرا وباطنا من غير اختلاف : قال الله تعالى : " ولو كان من عند غير اله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( 6 ) " . قلت : فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة الله عليهم ، ووجه حادي عشر قاله النظام وبعض القدرية : أن وجه الإعجاز هو المنع من معارضته ، والصرفة عند التحدي بمثله . وأن المنع والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن ، وذلك أن الله تعال صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله . وهذا فاسد ، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز ، فلوا قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن كونه معجزا ، وذلك خلاف الإجماع ، وإذ كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز ، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة ، إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه ، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا . واختلف من قال بهذا الصرفة

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 121 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 297 . ( 3 ) راجع ج 16 ص 289 . ( 4 ) راجع ج 7 ص 369 . ( 5 ) راجع ج 14 ص 1 . ( 6 ) راجع ج 5 ص 290 .