القرطبي
76
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
على قولين : أحدهما : - أنهم صرفوا على القدرة عليه ، ولو تعرضوا له لعجزوا عنه . الثاني - أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدورهم ، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه . قال ابن عطية : " وجه التحدي في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه ، وتوالي فصاحة ألفاظه . ووجه إعجازه : أن الله تعالى قد أحاط بكل شئ علما ، وأحاط بالكلام كله علما ، فعلم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلي الأولى ، وتبين المعنى بعد المعنى ، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره ، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط ، بهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة . وبهذا النظر يبطل قوال من قال : إن العرب كان في قدرتها إن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك ، وعجزوا عنه . والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين ، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا ، ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضيع للنظر والبدل ، وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظه ، ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد " . ومن فصاحة القرآن أن اله تعالى جل ذكره ، ذكر في آية واحدة أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين وهو قوله تعالى : " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ( 1 ) الآية . وكذلك فاتحة سورة المائدة : أمر بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن حكمته وقدرته ، وذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه ، وأنبأ سبحانه عن الموت ، وحسرة الفوت ، والدار الآخرة وثوابها وعقابها ، وفوز الفائزين ، وتردى المجرمين ، والتحذير من الاغترار بالدنيا ، ووصفها بالقلة بالإضافة إلى دار البقاء بقوله تعالى : " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ( 2 ) " الآية . وأنبأ أيضا عن قصص الأولين والآخرين ومآل المترفين ، وعواقب المهلكين ، في شطر آية وذلك في قوله تعالى : " فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم
--> ( 1 ) آية 7 سورة القصص . ( 2 ) آية 185 سورة آل عمران .