القرطبي

74

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشر : فهذه سورة " الكوثر " ثلاث آيات قصار ، وهي أقصر سورة في القرآن ، وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين : أحدهما - الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه ، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرسل . والثاني - الإخبار عن الوليد بن المغيرة ، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد ، على ما يقتضيه قوله الحق : " ذرني ومن خلقت وحيدا . وجعلت له مالا ممدودا . وبنين شهودا . ومهدت له تمهيدا ( 1 ) " ثم أهلك الله - سبحان - ماله وولده ، وانقطع نسله . ومنها التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي ، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه . ومنها : الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ، ولا يخطه بيمينه ، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها ، والقرون الخالية في دهرها ، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه ، وتحدوه به من قصص أهل الكهف ، وشأن موسى والخضر عليهما السلام ، وحال ذي القرنين ، فجاءهم - وهو أمي من أمة أمية ، ليس لها بذلك علم - بما عرفوا من الكتب السالفة صحته ، فتحققوا صدقه . قال القاضي ابن الطيب : ونحن نعلم ضرورة - أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم ، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار ، وحملة ، الأخبار ، والا مترددا إلى المتعلم منهم ، ولا كان منن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه ، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي . ومنها : الوفاء بالوعد ، المدرك بالحسن في العيان ، في كل ما وعد الله سبحان ، وينقسم : إلى أخباره المطلقة ، كوعده بنصر رسوله عليه السلام ، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه . وإلى وع مقيد بشرط ، كقوله : " ومن يتوكل على الله فهم حسبه ( 2 ) " " ومن يؤمن بالله يهد قلبه ( 3 ) " " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ( 4 ) " و " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين ( 5 ) ، وشبه ذلك ومنها : الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي ، فمن ذلك :

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 70 . ( 2 ) راجع ج 18 ص 161 . ( 3 ) راجع ج 18 ص 139 . ( 4 ) راجع ج 18 ص 157 . ( 5 ) راجع ج 8 ص 44 .