القرطبي

73

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ووجوه إعجاز القرآن عشرة : منها النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفى غيرها ، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شئ ، وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه : " وما علمناه الشعر وما ينبغي له " . وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر : لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله ، قلت : فما يقول الناس ؟ قال يقولون : شاعر ، كاهن ، ساحر ، وكان أنيس أحد الشعراء ، قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة ، فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء ( 1 ) الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر ، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون . وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا بشعر لما قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حم " فصلت ، على ما يأتي بيانه هناك ( 2 ) ، فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان وموضعه من الفصاحة والبلاغة ، بأنه ما سمع مثل القرآن قط كان في هذا القول مقرا باعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه . ومنها : الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب . ومنها : الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال ، وتأمل ذلك في سورة " ق والقرآن المجيد ( 3 ) " إلى آخرها ، وقوله سبحانه : " والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ( 4 ) " إلى آخر السورة ، وكذلك قوله سبحانه : " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ( 5 ) " إلى آخر السورة . قال ابن الحصار : فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق ، علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره ، . لا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول : " لمن الملك اليوم ( 6 ) " ولا أن يقول : " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ( 7 ) " . قال ابن الحصار : وهذه الثلاثة من النظم ، والأسلوب ، والجزالة ، لازمة كل سورة ، بل هي لازمة كل آية ، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر ، وبها وقع التحدي والتعجيز ، ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة ، من غير أن

--> ( 1 ) أقراء الشعر : أنواعه وطرقه وبحوره وأنحاؤه . ( 2 ) راجع ج 15 ص 337 . ( 3 ) راجع ج 17 ص 1 . ( 4 ) راجع ج 15 ص 277 . ( 5 ) راجع ج 9 ص 376 . ( 6 ) راجع ج 15 ص 300 . ( 7 ) راجع ج 9 ص 296 .