القرطبي

432

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( بغير الحق ) تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه . فإن قيل : هذا دليل على أنه قد يصح أن يقتلوا بالحق ، ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون به . قيل له : ليس كذلك ، وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم وليس بحق ، فكان هذا تعظيما للشنعة عليهم ، ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق ، ولكن يقتل على الحق ، فصرح قوله : " بغير الحق " عن شنعة الذنب ووضوحه ، ولم يأت نبي قط بشئ يوجب قتله . فإن قيل : كيف جاز أن يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء ؟ قيل : ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم ، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين ، وليس ذلك بخذلان لهم . قال ابن عباس والحسن : لم يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال ، وكل من أمر بقتال نصر . قوله تعالى : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) " ذلك " رد على الأول وتأكيد للإشارة إليه . والباء في " بما " باء السبب . قال الأخفش : أي بعصيانهم . والعصيان : خلاف الطاعة . واعتصت النواة إذا اشتدت . والاعتداء : تجاوز الحد في كل شئ ، وعرف في الظلم والمعاصي . قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 62 ) فيه ثماني مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ) أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقال سفيان : المراد المنافقون . كأنه قال : الذين آمنوا في ظاهر أمرهم ، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين ، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم . الثانية - قوله تعالى : ( والذين هادوا ) معناه صاروا يهودا ، نسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام ، فقلبت العرب الذال دالا ، لان الأعجمية إذا عربت غيرت