القرطبي
428
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عليه وسلم لم يشبع هو وأهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل . قوله تعالى : ( قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) الاستبدال : وضع الشئ موضع الآخر ، ومنه البدل ، وقد تقدم . و " أدنى " مأخوذ عند الزجاج من الدنو أي القرب في القيمة ، من قولهم : ثوب مقارب ، أي قليل الثمن . وقال علي بن سليمان : هو مهموز من الدنئ البين الدناءة بمعنى الأخس ، إلا أنه خفف همزته . وقيل : هو مأخوذ من الدون أي الأحط ، فأصله أدون ، أفعل ، قلب فجاء أفلع ، وحولت الواو ألفا لتطرفها . وقرئ في الشواذ " أدنى " ( 1 ) . ومعنى الآية : أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير . واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشئ الذي طلبوه وهي خمسة : الأول - أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل ، قاله الزجاج . الثاني - لما كان المن والسلوى طعاما من الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة ، والذي طلبوه عار من هذه الخصائل كان أدنى في هذا الوجه . الثالث - لما كان ما من الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه ، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة . الرابع - لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب ، والذي طلبوه لا يجئ إلا بالحرث والزراعة والتعب كان أدنى . الخامس - لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله ، الحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه ، كانت أدنى من هذا الوجه .
--> ( 1 ) كذا في نسخ الأصل . والذي في كتب الشواذ : ( أدنا بالهمز وهي قراءة زهير الفرقبي ) .