القرطبي
429
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
مسألة : في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل ، ويشرب الماء البارد العذب ، وسيأتي هذا المعنى في " المائدة " ( 1 ) و " النحل " ( 2 ) إن شاء الله مستوفى . قوله تعالى : ( اهبطو مصرا ) تقدم معنى الهبوط ( 3 ) ، وهذا أمر معناه التعجيز ، كقوله تعالى : " قل كونوا حجارة أو حديدا " [ الاسراء : 50 ] لأنهم كانوا في التيه وهذا عقوبة لهم . وقيل : إنهم أعطوا ما طلبوه . و " مصرا " بالتنوين منكرا قراءة الجمهور ، وهو خط المصحف . قال مجاهد وغيره : فمن صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معين . وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله : " أهبطوا مصرا " قال : مصرا من هذه الأمصار . وقالت طائفة ممن صرفها أيضا : أراد مصر فرعون بعينها . استدل الأولون بما اقتضاه ظاهر القرآن من أمرهم دخول القرية ، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه . واستدل الآخرون بما في القرآن من أن الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم ، وأجازوا صرفها . قال الأخفش والكسائي : لخفتها وشبهها بهند ودعد ، وأنشد : لم تتلفع بفضل مئزرها * دعد ولم تسق دعد في العلب فجمع بين اللغتين . وسيبويه والخليل والفراء لا يجيزون هذا ، لأنك لو سميت امرأة بزيد لم تصرف . وقال غير الأخفش : أراد المكان فصرف . وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة : " مصر " بترك الصرف . وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب وقراءة ابن مسعود . وقالوا : هي مصر فرعون . قال أشهب قال لي مالك : هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون ، ذكره ابن عطية والمصر أصله في اللغة الحد . ومصر الدار : حدودها . قال ابن فارس ويقال : إن أهل هجر يكتبون في شروطهم " اشترى فلان الدار بمصورها " أي حدودها ، قال عدي : وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 263 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 136 . ( 3 ) راجع ص 319 . ( 4 ) البيت لجرير . والعلب : أقداح من جلود يحلب فيها اللبن ويشرب . يقول هي حضرية رقيقة العيش لا تلبس لبس الاعراب ولا تتغذى غذاءهم . ( شرح الشواهد ) .