القرطبي

340

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا ولا على وصيته بدلا ولا على نصيحته صفدا ( 1 ) بل بين الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان ) . وفي التنزيل " يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " ( 2 ) [ المائدة 54 ] . قوله تعالى : ( وإياي فاتقون ) قد تقدم معنى التقوى ( 3 ) وقرئ " فاتقوني " بالياء وقد تقدم . وقال سهل بن عبد الله قوله " وإياي فاتقون " قال موضع علمي السابق فيكم . " وإياي فارهبون " قال موضع المكر والاستدراج ( 4 ) لقول الله تعالى : " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " ( 5 ) [ الأعراف : 182 ] وقوله : " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " ( 5 ) [ الأعراف : 99 ] فما استثنى نبيا ولا صديقا . قوله تعالى : ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ( 42 ) قوله تعالى : ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) اللبس : الخلط . لبست عليه الامر ألبسه ، إذا مزجت بينه بمشكلة وحقه بباطله قال الله تعالى " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ( 6 ) [ الانعام : 9 ] . وفى الامر لبسة أي ليس بواضح . ومن هذا المعنى قول علي رضي الله عنه للحارث بن حوط يا حارث إنه ملبوس عليك ، إن الحق لا يعرف بالرجال ، اعرف الحق تعرف أهله . وقالت الخنساء : ترى الجليس يقول الحق تحسبه * رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا صدق مقالته واحذر عداوته * والبس عليه أمورا مثل ما لبسا

--> ( 1 ) الصفد ( بالتحريك ) : العطاء . ( 2 ) راجع ج 6 ص 220 ( 3 ) راجع ص 161 وما بعدها . ( 4 ) العبارة هاهنا غير واضحة . والذي في البحر لأبي حيان : ( وقال سهل : ( وإياي فارهبون ) موضع اليقين بمعرفته ( وإياي فاتقون ) موضع العلم السابق وموضع المكر والاستدراج ) . ( 5 ) راجع ج 7 ص 329 وص 254 . ( 6 ) راجع ج 6 ص 394 .