القرطبي
286
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يحيى بن المتوكل صاحب بهية ( 1 ) قال : كنت جالسا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد ، فقال يحيى للقاسم : يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن يسأل عن شئ من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج ، أو علم ولا مخرج ؟ فقال له القاسم : وعم ذاك ؟ قال : لأنك ابن إمامي هدى : ابن أبي بكر وعمر . قال يقول له القاسم : أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة . فسكت فما أجابه . وقال مالك بن أنس : سمعت ابن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلا في أيديهم ، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال : لا أدري . وذكر الهيثم بن جميل قال : شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري . قلت : ومثله كثير عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين . وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسة وعدم الانصاف في العلم . قال ابن عبد البر : من بركة العلم وآدابه الانصاف فيه ، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم . روى يونس بن عبد الأعلى قال سمعت ابن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول : ما في زماننا شئ أقل من الانصاف . قلت : هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عم فينا الفساد وكثر فيه الطغام ! وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية ، بل للظهور في الدنيا وغلبة الاقران بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن ، وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى . أين هذا مما روي عن عمر رضي الله عنه وقد قال : لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ولو كانت بنت ذي العصبة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال ، فقامت امرأة من صوب النساء طويلة فيها فطس ( 3 ) فقالت : ما ذلك لك !
--> ( 1 ) بهية ( بالتصغير ) : مولاة أبي بكر رضي الله عنه ، تروى عن عائشة . وروى عنها أبو عقيل المذكور . ( 2 ) القاسم هذا ، هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . وأم القاسم هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فأبو بكر جده الاعلى لامه ، وعمر جده الاعلى لأبيه ، وابن عمر جده الحقيقي لأبيه . رضي الله عنهم أجمعين . ( عن شرح النووي على صحيح مسلم ) . ( 3 ) الفطس ( بالتحريك ) : انخفاض قصبة الانف وتطامنها وانتشارها .