القرطبي

257

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه خلق السماوات والأرض ، " وأوحى في كل سماء أمرها " [ فصلت : 12 ] قال : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين . فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش ، قال فذلك حين يقول : " خلق السماوات والأرض في ستة أيام " [ الحديد : 4 ] ويقول : " كانتا رتقا ففتقناهما ( 1 ) " [ الأنبياء : 30 ] وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام ، على ما يأتي بيانه في هذه السورة إن شاء الله تعالى . وروى وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال : إن أول ما خلق الله عز وجل من شئ " القلم " فقال له اكتب . فقال : يا رب وما اكتب ؟ قال : اكتب القدر . فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة . قال : ثم خلق النون فدحا الأرض عليها ، فارتفع بخار الماء ففتق منه السماوات ، واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال ، فإن الجبال تفخر على الأرض إلى يوم القيامة . ففي هذه الرواية خلق الأرض قبل ارتفاع بخار الماء الذي هو الدخان ، خلاف الرواية الأولى . والرواية الأولى عنه وعن غيره أولى ، لقوله تعالى : " والأرض بعد ذلك دحاها ( 2 ) " [ النازعات : 30 ] والله أعلم بما فعل ، فقد اختلفت فيه الأقاويل ، وليس للاجتهاد فيه مدخل . وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها ، فألقى في قلبه ، فقال : هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال ! لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع . قال : فهم لوثيا بفعل ذلك ، فبعث الله دابة فدخلت في منخره ، فعج إلى الله منها فخرجت . قال كعب : والذي نفسي بيده ، إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر إليه إن هم بشئ من ذلك عادت حيث كانت . السابعة - أصل خلق الأشياء كلها من الماء لما رواه ابن ماجة في سننه ، وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة قال قلت : يا رسول الله ، إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني ، أنبئني عن كل شئ . قال : ( كل شئ خلق من الماء ) فقلت : أخبرني عن

--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 282 ( 2 ) راجع ج 19 ص 202