القرطبي

247

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثالثة - قوله تعالى : ( من بعد ميثاقه ) الميثاق : العهد المؤكد باليمين ، مفعال من الوثاقة والمعاهدة ، وهي الشدة في العقد والربط ونحوه . والجمع المواثيق على الأصل ، لان أصل ميثاق موثاق ، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها - والمياثق والمياثيق أيضا ، وأنشد ابن الأعرابي : حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا * ولا نسأل الأقوام عهد ( 1 ) المياثق والموثق : الميثاق . والمواثقة : المعاهدة ، ومنه قوله تعالى : " وميثاقه الذي واثقكم به " . الرابعة - قوله تعالى : ( ويقطعون ) القطع معروف ، والمصدر - في الرحم - القطيعة ، يقال : قطع رحمه قطيعة فهو رجل قطع وقطعة ، مثال همزة . وقطعت الحبل قطعا . وقطعت النهر قطوعا . وقطعت الطير قطوعا وقطاعا وقطاعا إذا خرجت من بلد إلى بلد . وأصاب الناس قطعة : إذا قلت مياههم . ورجل به قطع : أي انبهار ( 2 ) . الخامسة - قوله تعالى : ( ما أمر الله به أن يوصل ) " ما " في موضع نصب ب‍ " - يقطعون " . و " أن " إن شئت كانت بدلا من " ما " وإن شئت من الهاء في " به " وهو أحسن . ويجوز أن يكون لئلا يوصل ، أي كراهة أن يوصل . واختلف ما الشئ الذي أمر بوصله ؟ فقيل : صلة الأرحام . وقيل : أمر أن يوصل القول بالعمل ، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا . وقيل : أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه ، فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم . وقيل : الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض ، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده . فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل . هذا قول الجمهور ، والرحم جزء من هذا . السادسة - قوله تعالى : ( ويفسدون في الأرض ) أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون في الافعال ، إذ هي بحسب شهواتهم ، وهذا غاية الفساد .

--> ( 1 ) في اللسان وشرح القاموس مادة ( وثق ) : ( عقد الميثاق ) والبيت لعياض بن درة الطائي . ( 2 ) البهر ( بالضم ) : تتابع النفس من الاعياء . وقيل انقطاعه .