القرطبي

226

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال طرفة : * وظيفا وظيفا فوق مور معبد * ( 1 ) والعبادة : الطاعة . والتعبد : التنسك . وعبدت فلانا : اتخذته عبدا . قوله تعالى : ( الذي خلقكم ) خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها ، فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم . وقيل : ليذكرهم بذلك نعمته عليهم . وفي أصل الخلق وجهان : أحدهما : التقدير ، يقال : خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع ، قال الشاعر : ( 2 ) ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري وقال الحجاج : ما خلقت إلا فريت ، ولا وعدت إلا وفيت . الثاني : الانشاء والاختراع والابداع ، قال الله تعالى : " وتخلقون إفكا " ( 3 ) [ العنكبوت : 17 ] . قوله تعالى : ( والذين من قبلكم ) فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم ، فالجواب : أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة ، فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم ، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا ، وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك ، وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا . والله أعلم . قوله تعالى : ( لعلكم تتقون ) " لعل " متصلة باعبدوا لا بخلقكم ، لان من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي . وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله : " لعلكم تعقلون ، لعلكم تشكرون ، لعلكم تذكرون ، لعلكم تهتدون " فيه ثلاث تأويلات .

--> ( 1 ) صدر البيت : * تبارى عناقا ناجيات أتبعت * تبارى : تعارض ، يقال : هما يتباريان في السير ، إذا فعل هذا شيئا فعل هذا مثله . والعتاق : الكرام من الإبل البيض . والناجيات : السراع . والوظيف : عظم الساق . وقوله : أتبعت وظيفا وظيفا ، أي اتبعت هذه الناقة وظيف رجلها وظيف يدها ، ويستحب من الناقة أن تجعل رجلها في موضع يدها إذا سارت . والمسور : الطريق ( عن شرح المعلقات ) . ( 2 ) هو زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان . يقول : أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته . وغيرك يقدر ما لا يقطعه ، لأنه ليس بماضي العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه . ( عن اللسان ) . ( 3 ) راجع ج 13 ص 335