القرطبي

16

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ولا تطريب ، نع كثرة المتعمقين في مخارج الحروف وفئ المد والإدغام والإظهار وغير ذلك من كيفية القراءات . ثم إن في الترجيع والتطريب همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بممدود ، فترجع الألف الواحدة ألفات والواو الواحدة واوات والشبهة ( 1 ) الواحدة شبهات ، فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك ممنوع ، وإن وافق ذلك موضع نبر وهمز صيروها نبرات وهمزات ، والنبرة حيثما وقعت من الحروف فإنما هي همزة واحدة لاغير ، إما ممدودة وإما مقصورة . فإن قيل : فقد روى عبد الله بن مغفل قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له سورة " الفتح " على راحلته فرجع في قراءته ، وذكره البخاري وقال في صفة الترجيع : آء آء آء ، ثلاث مرات . قلنا : ذلك محمول على إشباع المد فئ موضعه ، ويحتمل أن يكون صوته عند هز الراحلة ، كما يعتري رافع صوته إذا كان راكبا من انضغاط صوته وتقطيعه لأجل هز المركوب ، وإذا احتمل هذا فلا حجة فيه . وقد خرج أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث قتادة عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال : كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم المد ليس فيها ترجيع وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الأذان سهل سمح فإذا كان أذانك سمحا سهلا وإلا فلا تؤذن " . أخرجه الدارقطني في سننه فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد منع ذلك في الأذان فأحرى ألا يجوزه في القرآن الذي حفظه الرحمن ، فقال وقوله الحق : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( 2 ) " . وقال تعالى : " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ( 3 ) " . قلت : وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات ، فإن زاد الأمر على ذلك لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق ، كما يفعل القراء بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز ، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز ، ضل سعيهم ، وخاب

--> ( 1 ) سيذكر المؤلف في باب ( ذكر معنى الصورة والآية ) الخ : أن الشبهات هي الحروف ، ولم أر هذا التعبير لغيره . ( 2 ) آية 9 سورة الحجر . ( 3 ) آية 42 سورة فصلت .