القرطبي

17

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عملهم ، فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله ، ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه ، جهلا بدينهم ، ومروقا عن سنة نبيهم ، ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم ، ونزوعا إلى ما يزين لهم الشيطان من أعمالهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، فهم في غيهم يترددون ، وبكتاب الله يتلاعبون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! لكن أخبر الصادق أن ذلك يكون ، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم . ذكر الإمام الحافظ أبو الحسين رزين وأبو عبد الله الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتابين وسيجئ بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم " . اللحون : جمع لحن ، وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء . قال علمائنا : ويشبه أن يكون هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرءون بها ، ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . والترجيع في القراءة : ترديد الحرف كقراءة النصارى . والترتيل في القراءة هو التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل ، وهو المشبه بنور الأقحوان ، وهو المطلوب في قراءة القرآن ، قال الله تعالى : " ورتل القرآن ترتيلا ( 1 ) " . وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاته ، فقالت : مالكم وصلاته ! [ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى ، ثم يصلي قدر ما نام ، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح ( 2 ) ، ثم نعتت قراءته ، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا . أخرجه النسائي وأبو دائد والترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب . باب تحير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره قال الله تعالى : " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ( 4 ) " . روى مسلم عن أبي هريرة

--> ( 1 ) آية 4 سورة المزمل . ( 2 ) الزيادة عن سنن الترمذي وأبي داود . ( 3 ) آية 36 سورة النساء . ( 4 ) آية 110 سورة الكهف .