القرطبي

214

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( صم بكم عمى ) " صم " أي هم صم ، فهو خبر ابتداء مضمر . وفي قراءة عبد الله ابن مسعود وحفصة : صما بكما عميا ، فيجوز النصب على الذم ، كما قال تعالى : " ملعونين ( 1 ) أينما ثقفوا " [ الأحزاب : 61 ] ، وكما قال : " وامرأته حمالة ( 2 ) الحطب " [ المسد : 4 ] ، وكما قال الشاعر : ( 3 ) سقوني الخمر ثم تكنفوني * عداة الله من كذب وزور فنصب " عداة الله " على الذم . فالوقف على " يبصرون " على هذا المذهب صواب حسن . ويجوز أن ينصب صما ب‍ " - تركهم " ، كأنه قال : وتركهم صما بكما عميا ، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على " يبصرون " . والصمم في كلام العرب : الانسداد ، يقال : قناة صماء إذا لم تكن مجوفة . وصممت القارورة إذا سددتها . فالأصم : من انسدت خروق مسامعه . والأبكم : الذي لا ينطق ولا يفهم ، فإذا فهم فهو الأخرس . وقيل : الأخرس والأبكم واحد . ويقال : رجل أبكم وبكيم ، أي أخرس بين الخرس والبكم ، قال : فليت لساني كان نصفين منهما * بكيم ونصف عند مجرى الكواكب والعمى : ذهاب البصر ، وقد عمي فهو أعمى ، وقوم عمي ، وأعماه الله . وتعامى الرجل : أرى ذلك من نفسه . وعمي عليه الامر إذا التبس ، ومنه قوله تعالى : " فعميت عليهم الانباء يومئذ ( 4 ) " [ القصص : 66 ] . وليس الغرض مما ذكرناه نفي الادراكات عن حواسهم جملة ، وإنما الغرض نفيها من جهة ما ، تقول : فلان أصم عن الخنا . ولقد أحسن الشاعر حيث قال : * أصم عما ساءه سميع * وقال آخر : وعوراء الكلام صممت عنها * ولو أني أشاء بها سميع وقال الدارمي : أعمى إذا ما جارتي خرجت * حتى يواري جارتي الجدر

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 247 ( 2 ) راجع ج 20 ص 239 ( 3 ) هو عروة بن الورد . وصف ما كان من فعل قوم امرأته حين احتالوا عليه وسقوه الخمر حتى أجابهم إلى مفاداتها وكانت سبية عنده ( عن شرح الشواهد ) . ( 4 ) راجع ج 13 ص 304