القرطبي

211

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأصل الضلالة : الحيرة . ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الحيرة ، قال عز وجل : " فعلتها إذا وأنا من الضالين " ( 1 ) [ الشعراء : 20 ] أي الناسين . ويسمى الهلاك ضلالة ، كما قال عز وجل : " وقالوا أئذا ضللنا في الأرض ( 2 ) " [ السجدة : 10 ] . قوله تعالى : ( فما ربحت تجارتهم ) أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم : ربح بيعك ، وخسرت صفقتك ، وقولهم : ليل قائم ، ونهار صائم ، والمعنى : ربحت وخسرت في بيعك ، وقمت في ليلك وصمت في نهارك ، أي فما ربحوا في تجارتهم . وقال الشاعر : نهارك هائم وليلك نائم * كذلك في الدنيا تعيش البهائم ابن كيسان : ويجوز تجارة وتجائر ، وضلالة وضلائل . قوله تعالى : ( وما كانوا مهتدين ) في اشترائهم الضلالة . وقيل : في سابق علم الله . والاهتداء ضد الضلال ، وقد تقدم ( 3 ) . قوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ( 17 ) قوله تعالى : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) فمثلهم رفع بالابتداء والخبر في الكاف ، فهي اسم ، كما هي في قول الأعشى : أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل ( 4 ) وقول امرئ القيس : ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا * تصوب فيه العين طورا وترتقي ( 5 )

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 95 ( 2 ) راجع ج 14 ص 91 ( 3 ) راجع ص 160 من هذا الجزء . ( 4 ) المعنى : لا ينهى أصحاب الجور مثل طعن جائف ، أي نافذ إلى الجوف ، يغيب فيه الزيت والفتل . ( عن خزانة الأدب ) . ( 5 ) يقول رجعنا بفرس كأنه ابن ماء ( طير ماء ) خفة وحسنا وطول عنق . وهو يجنب : أي يقاد فلا يركب .