القرطبي

212

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أراد مثل الطعن ، وبمثل ابن الماء . ويجوز أن يكون الخبر محذوفا ، تقديره مثلهم مستقر كمثل ، فالكاف على هذا حرف . والمثل والمثل والمثيل واحد ومعناه الشبيه . والمتماثلان : المتشابهان ، هكذا قال أهل اللغة . قوله " الذي " يقع للواحد والجمع . قال ابن الشجري هبة الله بن علي : ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد ، كما قال : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد ( 1 ) وقيل في قول الله تعالى " والذي ( 2 ) جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " [ الزمر : 33 ] : إنه بهذه اللغة ، وكذلك قوله : " مثلهم كمثل الذي " قيل : المعنى كمثل الذين استوقدوا ، ولذلك قال : " ذهب الله بنورهم " ، فحمل أول الكلام على الواحد ، وآخره على الجمع . فأما قوله تعالى : " وخضتم كالذي ( 3 ) خاضوا " [ التوبة : 69 ] فإن الذي هاهنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا . وقيل : إنما وحد " الذي " و " استوقد " لان المستوقد كان واحدا من جماعة تولى الايقاد لهم ، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال " بنورهم " . واستوقد بمعنى أوقد ، مثل استجاب بمعنى أجاب ، فالسين والتاء زائدتان ، قاله الأخفش ، ومنه قول الشاعر : ( 4 ) وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي يجبه . واختلف النحاة في جواب لما ، وفي عود الضمير من " نورهم " ، فقيل : جواب لما محذوف وهو طفئت ، والضمير في " نورهم " على هذا للمنافقين ، والاخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة ، كما قال تعالى : " فضرب بينهم بسور له باب ( 5 ) " [ الحديد : 13 ] . وقيل : جوابه " ذهب " ، والضمير في " نورهم " عائد على " الذي " ، وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد ، لان بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده . والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين ،

--> ( 1 ) فلج ( بفتح أوله وسكون ثانيه ) : موضع بين البصرة وضرية . وقيل هو واد بطريق البصرة إلى مكة ، ببطنه منازل للحاج . قائله الأشهب بن رميلة ير ؟ ى قوما قتلوا في هذا الموضع ( عن اللسان ) . ( 2 ) راجع ج 15 ص 256 ( 3 ) راجع ج 8 ص 201 ( 4 ) هو كعب بن سعد الغنوي ير ؟ ى أخاه أبا المغوار ( عن اللسان ) . ( 5 ) راجع ج 17 ص 246