القرطبي
182
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والفلح أصله في اللغة الشق والقطع ، قال الشاعر : * إن الحديد بالحديد يفلح * أي يشق ، ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقها للحرث ، قال أبو عبيد . ولذلك سمي الأكار ( 1 ) فلاحا . ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح ، وهو بين الفلحة ، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه . وقد يستعمل في الفوز والبقاء ، وهو أصله أيضا في اللغة ، ومنه قول الرجل لامرأته : استفلحي بأمرك ، معناه فوزي بأمرك ، وقال الشاعر : لو كان حي مدرك الفلاح * أدركه ملاعب الرماح وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء : لكل هم من الهموم سعة * والمسي والصبح لا فلاح معه يقول : ليس مع كر الليل والنهار بقاء . وقال آخر : نحل بلادا كلها حل قبلنا * ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير أي البقاء : وقال عبيد : أفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف * وقد يخدع الأريب أي أبق بما شئت من كيس وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل . فمعنى " وأولئك هم المفلحون " : أي الفائزون بالجنة والباقون فيها . وقال ابن أبي إسحاق : المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا ، والمعنى واحد . وقد استعمل الفلاح في السحور ، ومنه الحديث : حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور . أخرجه أبو داود . فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سماه فلاحا . والفلاح ( بتشديد اللام ) : المكاري في قول القائل : ( 2 ) لها رطل تكيل الزيت فيه * وفلاح يسوق لها حمارا ثم الفلاح في العرف : الظفر بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب .
--> ( 1 ) الذي يحرث الأرض . ( 2 ) هو عمرو بن أحمد الباهلي ، كما في اللسان مادة ( فلح ) .