القرطبي

181

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأنا على يقين منه . وإنما صارت الياء واوا في قولك : موقن ، للضمة قبلها ، وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها وكذلك الجمع . وربما عبروا باليقين عن الظن ، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو : هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شئ عليه ، قال الشاعر : ( 1 ) تحسب هواس وأيقن أنني * بها مفتد من واحد لا أغامره يقول : تشمم الأسد ناقتي ، يظن أنني مفتد بها منه ، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في الشعر كثير ، وسيأتي . والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها ، كما أن الدنيا مشتقة من الدنو ، على ما يأتي . قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( 5 ) قال النحاس أهل نجد يقولون : ألاك ، وبعضهم يقول : ألا لك ، والكاف للخطاب . قال الكسائي : من قال أولئك فواحده ذلك ، ومن قال ألاك فواحده ذاك ، وألالك مثل أولئك ، وأنشد ابن السكيت : ألا لك قومي لم يكونوا أشابة ( 2 ) * وهل يعظ الضليل إلا ألالكا وربما قالوا : أولئك في غير العقلاء ، قال الشاعر : ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام وقال تعالى : " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ( 3 ) " [ الاسراء : 36 ] وقال علماؤنا : إن في قوله تعالى : " من ربهم " ردا على القدرية في قولهم : يخلقون إيمانهم وهداهم ، تعالى الله عن قولهم ولو كان كما قالوا لقال : " من أنفسهم " ، وقد تقدم الكلام فيه ( 4 ) وفي الهدى ( 5 ) فلا معنى لإعادة ذلك . ( وأولئك هم المفلحون ) " هم " يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره " المفلحون " ، والثاني وخبره خبر الأول ، ويجوز أن تكون " هم " زائدة - يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عمادا - و " المفلحون " خبر " أولئك " .

--> ( 1 ) هو أبو سدرة الأسدي ، ويقال : الهجيمي . ( 2 ) الأشابة من الناس : الأخلاط . والأشابة في الكسب : ما خالطه الحرام الذي لا خير فيه والسحت . ( 2 ) راجع ج 10 ص 259 ( 4 ) راجع المسألة الحادية والثلاثين ص 149 . ( 5 ) راجع المسألة الثانية ص 160 من هذا الجزء .