القرطبي
180
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ( 4 ) قيل : المراد مؤمنو أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام وفيه نزلت ، ونزلت الأولى في مؤمني العرب . وقيل : الآيتان جميعا في المؤمنين ، وعليه فإعراب " الذين " خفض على العطف ، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف أي وهم الذين . ومن جعلها في صنفين فإعراب " الذين " رفع بالابتداء ، وخبره " أولئك على هدى " ويحتمل الخفض عطفا . قوله تعالى : ( بما أنزل إليك ) يعني القرآن ( وما أنزل من قبلك ) يعني الكتب السالفة ، بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله : " وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله ( 1 ) قالوا نؤمن بما أنزل علينا " [ البقرة : 91 ] الآية . ويقال : لما نزلت هذه الآية : " الذين يؤمنون بالغيب " قالت اليهود والنصارى : نحن آمنا بالغيب ، فلما قال : " ويقيمون الصلاة " [ البقرة : 3 ] قالوا : نحن نقيم الصلاة ، فلما قال " ومما رزقناهم ينفقون " قالوا : نحن ننفق ونتصدق ، فلما قال : " والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " نفروا من ذلك . وفي حديث أبي ذر قال قلت : يا رسول الله كم كتابا أنزل الله ؟ قال : ( مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ ( 2 ) ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ) . الحديث أخرجه الحسين الآجري وأبو حاتم البستي . وهنا مسألة : إن قال قائل : كيف يمكن الايمان بجميعها مع تنافي أحكامها ؟ قيل له فيه جوابان : أحدهما - أن الايمان بأن جميعها نزل من عند الله ، وهو قول من أسقط التعبد بما تقدم من الشرائع . الثاني - أن الايمان بما لم ينسخ منها ، وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدمة ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : ( وبالآخرة هم يوقنون ) أي وبالبعث والنشر هم عالمون . واليقين : العلم دون الشك ، يقال منه : يقنت الامر ( بالكسر ) يقنا ، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى ،
--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 29 ( 2 ) أخنوخ هو إدريس عليه السلام .