القرطبي

165

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

السادسة - واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أولا ؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) . رواه أبو هريرة أخرجه مسلم . وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمشي وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك ) . وهذا نص . ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر ( 1 ) فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها . وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع . وقال إسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة ، وروي عن مالك نحوه ، وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس ، وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب ، لان الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي . قلت : واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى ، فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار ، لأنه في صلاة ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبره ، فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي ، حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه . ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة ، وما خرجه الدارمي في مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة ) . فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الاسراع وجعله كالمصلي ، وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى : " فاسعوا إلى ذكر الله " ( 2 ) وأنه ليس المراد به الاشتداد على الاقدام ، وإنما عنى العمل والفعل ، هكذا فسره مالك . وهو الصواب في ذلك والله أعلم .

--> ( 1 ) البهز ( بالضم ) : تتابع النفس من الاعياء . ( 2 ) سورة الجمعة آية 9