القرطبي

96

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وجملة مذهب مالك وأصحابه : أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولاغيرها ، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سرا ولا جهرا ، ويجوز أن يقرأها في النوافل . هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه . وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السور في النوافل ، ولا تقرأ أول أم القرآن . وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال . ومن أهل المدينة من يقول : إنه لابد فيها من " بسم الله الرحمن الرحيم " منهم ابن عمر ، وابن شهاب ، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد . وهذا يدل على أن المسألة مسألة اجتهادية لا قطعية ، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين ، وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور ، والحمد لله . وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة ، منهم أبو حنيفة والثوري ، وروى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير ، وهو قول الحكم وحماد ، وبه قال أحمد ابن حنبل وأبو عبيد ، وروى عن الأوزاعي مثل ذلك ، حكاه أبو عمر بن عبد البر في ( الاستذكار ) . واحتجوا من الأثر في ذلك بما رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة " بسم الله الرحمن الرحيم " . وما رواه عمار بن رزيق ( 1 ) عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر ، فلم أسمع أحد منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . قلت : هذا قول حسن ، وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة . وقد روى عن سعيد بن جبير قال : كان المشركون يحضرون بالمسجد ، فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بسم الله الرحمن الرحيم " قالوا : هذا محمد يذكر رحمان اليمامة - يعنون مسيلمة - فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ، ونزل : " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت به " . قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله : فبقى ذلك إلى يومنا هذا على

--> ( 1 ) كذا في تهذيب التهذيب وفي الأصول : " عمار عن رزيق " وهو خطأ " .