الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

82

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ومن الطبيعي ألا يكون المقصود هنا المسيحيين الذين يمارسون أقذر الأعمال وأكثرها إجراما وانحطاطا بحق الشعوب المستضعفة ، هؤلاء الذين تلبسوا بلباس الإنسانية ، وهم في الحقيقة ذئاب مفترسة تصبغ حياة المحرومين بلون الدم والظلام . . ثم يضيف سبحانه : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ( 1 ) . ومما تقدم يتضح لنا أن هؤلاء ليسوا ممن لم يراعوا مبدأ التوحيد للسيد المسيح ( عليه السلام ) فقط ، بل دنسوه بأنواع الشرك ، ولم يراعوا أيضا حتى حق الرهبانية التي ابتدعوها باسم الزهد ، حيث وضعوا مكائد في طريق خلق الله ، وجعلوا من الأديرة والكنائس مراكز لأنواع الفساد ، وأوجدوا انحرافا خطيرا في رسالة السيد المسيح ( عليه السلام ) . ومن مفهوم الآية يتضح لنا أن الرهبانية لم تكن جزءا من رسالة السيد المسيح ( عليه السلام ) ، إلا أن أتباعه هم الذين ابتدعوها من بعده ، حيث بدأت بشكل معتدل ثم مالت نحو الانحراف . وطبقا لتفسير آخر فإن نوعا من الرهبانية والزهد كان من مبدأ السيد المسيح ( عليه السلام ) ، إلا أن أتباعه وأصحابه ابتدعوا نوعا آخر من الرهبانية لم يقررها الله لهم ( 2 ) .

--> 1 - حول تركيب ومعنى هذه الآية يوجد اختلاف كثير بين المفسرين ، حيث اعتبرها البعض عطفا على الرأفة والرحمة ، وأخذوا بنظر الاعتبار ( حب ) قبل الرهبانية تقديرا ، لأن الرهبانية ليست شيئا يكون في القلب ، بل أن حبها والتعلق بها يكون في القلب ، واعتبرها آخرون منصوبة بفعل مضمر حيث إن ( ابتدعوها ) تفسر ذلك في تقدير : ابتدعوا رهبانية ، ابتدعوها . وبالنسبة ل‍ ( إلا ابتغاء رضوان الله ) توجد وجهتا نظر : الأولى : أنها استثناء منقطع ، ومفهومه هو : ( ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ) . والأخرى : أنها استثناء متصل ومفهومها أننا قررنا ووضعنا نوعا من الرهبانية عليهم ، والهدف من ذلك هو جلب رضي الله تعالى ، ولكنهم حرفوا الرهبانية إلى نوع آخر كان خلافا لرضى الله ، والظاهر أن التفسير الأول في كلا الموردين مناسب أكثر ، لذا يرجى الانتباه هنا . 2 - طبقا للتفسير الأول حسب الرأي الذي يقول بأنه استثناء منقطع ، والتفسير الثاني يقول بالاستثناء المتصل . وهذه النقطة أيضا جديرة بالملاحظة وهي : إذا كانت الرهبانية عطف على الرأفة والرحمة كما اخترناه في المتن ، فإن المقصود من جعلها في القلوب هو نفس الميل القلبي لهم إلى هذه المسألة ، في حين أن المقصود من ( ما كتبناها ) هو أن مسألة الرهبانية لم تكن حكم الله في دين السيد المسيح ، بالرغم من أن الله تعالى قد وضع حبها في قلوبهم ، وبناء على هذا فلا تتنافى مع جملة ( ابتدعوها ) .