الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
74
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
المنشودة ، فقد وضع الحديد والبأس الشديد في خدمة رسل الله . وبالرغم من أن البعض يتصور أن تعبير ( أنزلنا ) يعكس لنا أن الحديد جاء من كرات سماوية إلى الأرض ، إلا أن الصحيح أن التعبير ب ( الإنزال ) في مثل هذه الحالات هو إشارة إلى الهبات التي تعطى من المقام الأعلى إلى المستوى الأدنى ، ولأن خزائن كل شئ عند الله تعالى فهو الذي خلق الحديد لمنافع مختلفة ، فعبر عنه بالإنزال ، وهنا حديث لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في تفسيره لهذا القسم من الآية حيث قال : " إنزاله ذلك خلقه إياه " ( 1 ) . كما نقرأ في الآية ( 6 ) من سورة الزمر حول الحيوانات حيث يقول سبحانه : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج . وفسر البعض ( أنزلنا ) بأنها من مادة ( نزل ) على وزن ( شبر ) بمعنى الشئ الذي يهيأ لاستقبال الضيوف ، ولكن الظاهر أن المعنى الأول هو الأنسب . " البأس " في اللغة بمعنى الشدة والقسوة والقدرة ، ويقال للحرب والمبارزة ( بأس ) أيضا ، ولذا فإن المفسرين فسروها بأنها الوسائل الحربية ، أعم من الدفاعية والهجومية ، ونقل في رواية عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في تفسير هذه الآية أنه قال : " يعني السلاح وغير ذلك " ( 2 ) . والواضح أن هذا من قبيل بيان المصداق . والمقصود من " المنافع " هنا هو كل ما يفيد الإنسان من الحديد ، وتتبين الأهمية البالغة للحديد في حياة الإنسان أن البشرية قد بدأت عصرا جديدا بعد اكتشافه ، سمي بعصر الحديد ، لأن هذا الاكتشاف قد غير الكثير من معالم الحياة في أغلب المجالات ، وهذا يمثل أبعاد كلمة ( المنافع ) في الآية الكريمة أعلاه . وقد أشير إلى هذا المعنى بآيات مختلفة في القرآن ، منها قوله تعالى بشأن
--> 1 - تفسير نور الثقلين ، ج 5 ، ص 250 ، حديث 100 . 2 - تفسير نور الثقلين ، ج 5 ، ص 250 ، حديث 101 .