الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

67

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والمقصود من " اللوح المحفوظ " هو : العلم اللا متناهي لله سبحانه ، أو صحيفة عالم الخلقة ونظام العلة والمعلول ، والتي هي مصداق العلم الفعلي لله سبحانه " فتدبر " . ولنلاحظ الآن ما هي فلسفة تقدير المصائب في اللوح المحفوظ ، ومن ثم بيان هذه الحقيقة في القرآن الكريم ؟ الآية اللاحقة تزيح هذا الحجاب عن هذا السر المهم حيث يقول تعالى : لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم . هاتان الجملتان القصيرتان تحلان - في الحقيقة - إحدى المسائل المعقدة لفلسفة الخلقة ، لأن الإنسان يواجه دائما مشاكل وصعوبات وحوادث مؤسفة في عالم الوجود ، ويسأل دائما نفسه هذا السؤال وهو : رغم أن الله رحمن رحيم وكريم . . ، فلماذا هذه الحوادث المؤلمة ؟ ! ويجيب سبحانه أن هدف ذلك هو : ألا تأسركم مغريات هذه الدنيا وتنشدوا إليها وتغفلوا عن أمر الآخرة . . كما ورد في الآية أعلاه . والمطلوب أن تتعاملوا مع هذا المعبر والجسر الذي اسمه الدنيا بشكل لا تستولي على لباب قلوبكم ، وتفقدوا معها شخصيتكم وكيانكم وتحسبون أنها خالدة وباقية ، حيث إن هذا الانشداد هو أكبر عدو لسعادتكم الحقيقية ، حيث يجعلكم في غفلة عن ذكر الله ويمنعكم من مسيرة التكامل . هذه المصائب هي إنذار للغافلين وسوط على الأرواح التي تعيش الغفلة والسبات ، ودلالة على قصر عمر الدنيا وعدم خلودها وبقائها . والحقيقة أن المظاهر البراقة لدار الغرور تبهر الإنسان وتلهيه بسرعة عن ذكر الحق سبحانه ، وقد يستيقظ فجأة ويرى أن الوقت قد فات وقد تخلف عن الركب . هذه الحوادث كانت ولا تزال في الحياة ، وستبقى بالرغم من التقدم العلمي العظيم ، ولن يستطيع العلم أن يمنع حدوثها ونتائجها المؤلمة ، كالزلازل والطوفان