الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
68
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والسيول والأمطار وما إلى ذلك . . وهي درس من قسوة الحياة وصرخة مدوية فيها . . وهذا لا يعني أن يعرض الإنسان عن الهبات الإلهية في هذا العالم أو يمتنع من الاستفادة منها ، ولكن المهم ألا يصبح أسيرا فيها ، وألا يجعلها هي الهدف والنقطة المركزية في حياته . والجدير بالملاحظة هنا أن القرآن الكريم استعمل لفظ ( فاتكم ) للدلالة على ما فقده الإنسان من أشياء ، أما ما يخص الهبات والنعم التي حصل عليها فإنه ينسبها لله ، ( بما آتاكم ) ، وحيث أن الفوت والفناء يكمن في ذات الأشياء ، وهذا الوجود هو من الفيض الإلهي . نعم ، إن هذه المصائب تكسر حدة الغرور والتفاخر وحيث يقول سبحانه في نهاية الآية : إن الله لا يحب كل مختال فخور . " مختال " من مادة ( خيال ) بمعنى متكبر ، لأن التكبر من التخيل ، أي من تخيل الإنسان الفضل لنفسه ، وتصوره أنه أعلى من الآخرين . و ( فخور ) صيغة مبالغة من مادة ( فخر ) بمعنى الشخص الذي يفتخر كثيرا على الآخرين . والشخص الوحيد الذي يبتلى بهذه الحالات هو المغرور الذي أسكرته النعم ، وهذه المصائب والآفات بإمكانها أن توقظه عن هذا السكر والغفلة وتهديه إلى سير التكامل . ومن ملاحظة ما تقدم أعلاه فإن المؤمنين عندما يرزقون النعم من قبل الله سبحانه فإنهم يعتبرون أنفسهم مؤتمنين عليها ، ولا يأسفون على فقدانها وفواتها ، ولا يغفلون ويسكرون بوجودها . إذ يعتبرون أنفسهم كالأشخاص المسؤولين عن بيت المال إذ يستلمون في يوم أموالا كثيرة ويدفعونها في اليوم الثاني ، وعندئذ لا يفرحون بلستلامها ، ولا يحزنون على إعطائها . وكم هو تعبير رائع ما قاله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حول هذه الآية : " الزهد كله بين