الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

54

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

آمنوا بالله ورسله أولئك الصديقون والشهداء عند ربهم . " الصديق " صيغة مبالغة من ( الصدق ) بمعنى الشخص الذي يستوعب الصدق جميع وجوده ، حيث يصدق عمله قوله ، وهو النموذج التام للصدق . " شهداء " جمع " شهيد " من مادة ( شهود ) بمعنى الحضور مع المشاهدة سواء كانت بالعين المجردة أو البصيرة ، وإذا أطلقت على " الشاهد " كلمة شاهد وشهيد ، فالسبب هو حضوره ومشاهدته في المكان ، كما يطلق هذا المصطلح على " الشهداء في سبيل الله " بسبب حضورهم في ميدان الجهاد . إلا أن المراد من ( الشهداء ) في الآية مورد البحث قد يكون الشهادة على الأعمال ، كما يستفاد من الآيات القرآنية الأخرى ، فالأنبياء شهداء على أعمال أممهم ، ورسول الإسلام شاهد عليهم وعلى الأمة الإسلامية ، والمسلمون أيضا شهداء على أعمال الناس ( 1 ) . وبناء على هذا ، فإن الشهادة على الأعمال مقام عال ، والذي يكون من نصيب المؤمنين . واحتمل البعض أن ( شهداء ) هنا هو الشهداء في سبيل الله ، أي الأشخاص المؤمنون الذين لهم أجر وثواب الشهادة ، يحسبون بمنزلة الشهداء ، لذا ذكر في حديث أن شخصا ذهب إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، فقال له : ادع الله أن يرزقني الشهادة . فقال الإمام ( عليه السلام ) أن المؤمن شهيد ، ثم قرأ هذه الآية : والذين آمنوا بالله ورسله . . ( 2 ) . ومن الطبيعي أنه يمكن الجمع بين المعنيين ، خصوصا أن القرآن الكريم أطلق مصطلح " شهيد وشهداء " في الغالب على الأعمال وما إلى ذلك . وعلى كل حال ، فإن الله تعالى يصف المؤمنين الحقيقيين هنا بوصفين : الأول :

--> 1 - يراجع التفسير الأمثل ، تفسير الآية ( 78 ) من سورة الحج ، وتفسير الآية ( 41 ) من سورة النساء . 2 - تفسير العياشي طبقا لنقل نور الثقلين ، ج 5 ، ص 244 .