الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
447
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أما الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقد اطلع على إفشاء هذا السر عن طريق الوحي ، وذكر بعضه " لحفصة " ومن أجل عدم إحراجها كثيرا لم يذكر لها القسم الثاني ( ولعل القسم الأول يتعلق بأصل شرب العسل ، والثاني هو تحريم العسل على نفسه ) . وعلى كل فإنه : فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير . ويتضح من مجموع هذه الآيات أن بعض زوجات الرسول لم يكتفين بإيذاء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بكلامهن ، بل لا يحفظن سره ، وحفظ السر من أهم صفات الزوجة الصالحة الوفية لزوجها ، وكان تعامل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معهن على العكس من ذلك تماما إلى الحد الذي لم يذكر لها السر الذي أفشته كاملا لكي لا يحرجها أكثر ، واكتفى بالإشارة إلى جزء منه . ولهذا جاء في الحديث عن الإمام علي ( عليه السلام ) : " ما استقصى كريم قط ، لأن الله يقول : عرف بعضه وأعرض عن بعضه ( 1 ) . ثم يتحدث القرآن مع زوجتي الرسول اللتين كانتا وراء هذا الحادث بقوله : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما . وقد اتفق المفسرون الشيعة والسنة على أن تلك الزوجتين هما " حفصة بنت عمر " و " عائشة بنت أبي بكر " . " صغت " من مادة " صغو " على وزن " عفو " بمعنى الميل إلى شئ ما ، لذلك يقال " صغت النجوم " " أي مالت النجوم إلى الغروب " ولهذا جاء اصطلاح " إصغاء " بمعنى الاستماع إلى حديث شخص آخر . والمقصود من " صغت قلوبكما " أي مالت من الحق إلى الباطل وارتكاب الذنب ( 2 ) .
--> 1 - تفسير الميزان ، ج 19 ، ص 392 . 2 - طبقا للتفسير الذي ذكرناه والذي اختاره أكثر المفسرين فإن هناك شيئا محذوفا في الآية تقديره " إن تتوبا إلى الله كان خير لكما " أو تقدير آخر مشابه ، ولكن احتمل بعض آخر أنه ليس هناك محذوف في الآية وجملة ( صغت قلوبكما ) جزاء الشرط ( بشرط أن يكون الميل إلى الحق وليس العكس ) . ولكن هذا الاحتمال بعيد جدا لأن الشرط جاء بصيغة الفعل المضارع بينما الجزاء بصيغة الفعل الماضي وهذا غير جائز في عرف أكثر النحويين ، ويذكر أن " قلوبكما " جاءت بصيغة الجمع لا المثنى ، وذلك لتلافي اجتماع ألفاظ التثنية بصورة متتالية الذي لا يتناسب مع بلاغة القرآن وفصاحته .