الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
429
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والعصيان ) في تجارب الماضي وتأخذ القضية طابعا حسيا . ولم يخرج القرآن الكريم في هذه السورة عن هذا النهج ، فبعد ذكر وظائف كل من الرجال والنساء عند الطلاق ، يحذر العاصين والمتمردين من العواقب الوخيمة التي تنتظرهم بقوله في البداية : وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا ( 1 ) . والمقصود ب " القرية " هو محل اجتماع الناس ، وهو أعم من المدينة والقرية ، والمراد هو أهلها . " عتت " من مادة " عتو " على وزن " غلو " بمعنى التمرد على الطاعة . و " نكر " على وزن " شكر " ويعني العمل الصعب الذي لم يسبق له مثيل . " حسابا شديدا " أي الحساب الدقيق المقرون بالشدة والصرامة ، ويعني العقاب الشديد الذي هو نتيجة الحساب الدقيق . وهو على كل حال إشارة إلى عاقبة الأقوام السابقة المتمردة العاصية في هذه الدنيا ، التي هلكت بعضها بالطوفان ، وبعضها بالزلازل ، وآخرون بالصواعق والعواصف ، وأمثالهم حل بهم الفناء وبقت ديارهم وآثارهم عبرة للأجيال بعدهم . لذلك يضيف تعالى في الآية اللاحقة : فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا . وأي خسارة أفدح من خسران رأس المال الذي وهبه الله ، والخروج من هذه الدنيا - ليس فقط بعدم شراء المتاع - وإنما بالانتهاء إلى العذاب الإلهي والدمار . ويرى البعض أن " حسابا شديدا " و " عذابا نكرا " يشيران إلى " يوم القيامة "
--> 1 - " كأين " على الرأي المشهور لعلماء الأدب اسم مركب من " كاف " التشبيه و " أي " مع التنوين الذي دخل في بناء هذا الاسم ، ويقرأ مع الوقف كذلك ، وكتب أيضا في كتابة المصاحف ومعناها كمعنى " كم " الخبرية ، رغم وجود فرق بسيط بينهما . وعلى الرأي غير المشهور فإنها اسم بسيط وكافها ونونها جزء من الكلمة .