الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

254

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والمصداق الواضح لهذه المجموعة هم مشركو مكة ، وخصوصا سادات قريش ، حيث بذل بعضهم كل جهدهم لحرب المسلمين وإيذائهم ، وأعانوا آخرون على ذلك . وفئة أخرى : مع كفرهم وشركهم - لا يضمرون العداء للمسلمين ، ولا يؤذونهم ولا يحاربونهم ولم يشاركوا في إخراجهم من ديارهم وأوطانهم ، حتى أن قسما منهم عقد عهدا معهم بالسلم وترك العداء . إن الإحسان إلى هذه المجموعة وإظهار الحب لهم لا مانع منه ، وإذا ما عقد معهم عهد فيجب الوفاء به ، وأن يسعى لإقامة علاقات العدل والقسط معهم . . ومصداق هذه الجماعة يتجسد بطائفة ( خزاعة ) الذين كانوا قد عقدوا عهدا مع المسلمين على المسالمة معهم وترك الخصام . وبناء على ذلك فلا مجال لقول بعض المفسرين من أن هذه الآية منسوخة بما ورد في قوله تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( 1 ) . حيث أن هذه الآية من سورة التوبة تتحدث عن المشركين الذين نقضوا العهد ومارسوا أدوارا عدائية ضد الإسلام والمسلمين بصورة علنية ، ويتبين ذلك من خلال الاستدلال بالآيات اللاحقة التي تلي هذه الآية الكريمة ( 2 ) . وقد ذكر بعض المفسرين في حديثه حول هذه الآية أن زوجة أبي بكر المطلقة أتت بهدايا لابنتها " أسماء " من مكة ، إلا أن ابنتها امتنعت عن قبولها ، بل إنها امتنعت أيضا حتى من السماح لامها من دخول بيتها ، فنزلت الآية أعلاه وأمرها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن تلتقي بأمها وتقبل هديتها وتكرمها وتحسن

--> 1 - التوبة ، الآية 5 . 2 - احتمل بعض المفسرين أن الآية تمثل رخصة عقد الولاء بالنسبة للمؤمنين الذين كانوا قد قبلوا الإسلام ، إلا أنهم بقوا في مكة ، ولم يهاجروا . إلا أن لحن الآيات يبين لنا أن الحديث كان مختصا بغير المسلمين .