الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

243

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ومما تعبدون من دون الله ( 1 ) . وهكذا يكون الموقف القاطع والحاسم من جانب المؤمنين إزاء أعداء الله ، بقولهم لهم : إننا لا نرتضيكم ولا نقبلكم ، لا أنتم ولا ما تؤمنون به من معتقدات ، إننا نبتعد وننفر منكم ومن أصنامكم التي لا قيمة لها . ومرة أخرى يؤكدون مضيفين : " كفرنا بكم " ، والكفر هنا هو كفر البراءة الذي أشير له في بعض الروايات ضمن ما ورد في تعدد أقسام الكفر الخمسة ( 2 ) . ويضيفون للمرة الثالثة مؤكدين بصورة أشد : وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده . وبهذا الإصرار وبهذه القاطعية وبدون أي تردد أو مواربة يعلن المؤمنون انفصالهم وابتعادهم ونفرتهم من أعداء الله حتى يؤمنوا بالله وحده ، وهم مستمرون في موقفهم وإلى الأبد ولن يتراجعوا عنه أو يعيدوا النظر فيه إلا إذا غير الكفار مسارهم وتراجعوا عن خط الكفر إلى الإيمان . ولأن هذا القانون العام كان له استثناء في حياة إبراهيم ( عليه السلام ) يتجسد ذلك بإمكانية هداية بعض المشركين حيث يقول سبحانه معقبا : إن هؤلاء قطعوا كل ارتباط لهم مع قومهم الكافرين حتى الكلام الودود والملائم : إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شئ . إن هذا الاستثناء - في الحقيقة - كان في مسألة قطع كل ارتباط مع عبدة الأصنام من قبل إبراهيم ( عليه السلام ) وأصحابه ، كما أن هذا الاستثناء كانت له شروطه ومصلحته الخاصة ، لأن القرائن تظهر لنا أن إبراهيم ( عليه السلام ) كان يرى في عمه ( آزر ) استعدادا لقبول الإيمان . ولما كان ( آزر ) قلقا من آثام سابقته الوثنية وعبادته للأصنام أوعده إبراهيم

--> 1 - " براء " جمع " برئ " مثل " ظرفاء - ظريف " . 2 - أصول الكافي طبقا لنقل نور الثقلين ، ج 5 ، ص 302 .