الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
244
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
( عليه السلام ) أنه إذا تبنى طريق التوحيد فإنه ( عليه السلام ) سيستغفر له الله سبحانه ، وقد عمل بما وعده به ، إلا أن آزر لم يؤمن وبقي على ضلاله ، وعندما اتضح لإبراهيم أنه عدو الله وسوف لن يؤمن أبدا ، لم يستغفر له ثانية وقطع علاقته به . ولما كان المسلمون مطلعين على منهج إبراهيم ( عليه السلام ) في تعامله مع " آزر " بصورة إجمالية ، فقد كان من المحتمل أن يكون هذا الموقف موضع إحتجاج لأشخاص مثل ( حاطب بن أبي بلتعة ) حيث كانوا يقيمون العلاقات والارتباطات السرية مع الكفار ، ولهذا فالقرآن الكريم يقطع الطريق على مثل هذه التصورات ويعلن - صراحة - أن هذا الاستثناء قد تم تحت شروط خاصة ، وكان أسلوبا لاستدراج ( آزر ) إلى الهدى وإدخاله في الإيمان ، ولم يكن لأهداف دنيوية آنية أو مصلحة وقتية ، لذا يقول عز وجل في بيان هذا المعنى : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ( 1 ) . إلا أن بعض المفسرين يرى أن هذا الأمر كان استثناء من التأسي ب ( إبراهيم ) ، وقالوا يجب الاقتداء به في جميع الأمور إلا في إستغفاره لعمه آزر . إلا أن هذا المعنى بعيدا جدا لأنه : أولا : كان ( عليه السلام ) أسوة في جميع الأمور ومن ضمنها اتباع هذا المنهج ، وذلك بلحاظ أن الشروط التي توفرت في ( آزر ) توفرت أيضا في بعض المشركين وعند ذلك لابد من إظهاره المودة لهم وتهيئة الأجواء الطيبة لهم ، وجذبهم للإيمان . وثانيا : أن إبراهيم ( عليه السلام ) نبي معصوم من أنبياء الله العظام ومن المجاهدين اللامعين ، وأعماله كلها أسوة للمؤمنين ، وعندئذ لا داعي لاستثناء هذه المسألة من التأسي به فيها .
--> 1 - التوبة ، الآية 114 .