الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
204
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولا يختص هذا الأمر بما حدث تأريخيا في صدر الإسلام ، بل إننا نلاحظ اليوم بأعيننا نماذج وصورا حية لا تخفى على أحد ، في طبيعة تعامل المنافقين في الدولة الإسلامية مع مختلف الفصائل المعادية للإسلام ، وسوف تصدق أيضا في المستقبل القريب والبعيد . ومن المسلم أن المؤمنين الصادقين إذا التزموا بواجباتهم فإنهم سينتصرون عليهم ، ويحبطون خططهم . والآية اللاحقة تتحدث عن سبب هذا الاندحار ، حيث يقول سبحانه : لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله . ولأنهم لا يخافون الله ، فإنهم يخافون كل شئ خصوصا إذا كان لهم أعداء مؤمنون مثلكم ذلك بأنهم قوم لا يفقهون . " رهبة " في الأصل بمعنى الخوف المقترن بالاضطراب والحذر ، فهو خوف عميق له جذور وتظهر آثاره في العمل . وبالرغم من أن الآية أعلاه نزلت في يهود بني النضير وأسباب اندحارهم أمام المسلمين ، إلا أن مقصودها حكم عام وكلي ، لأنه لن يجتمع في قلب الإنسان خوفان : الخوف من الله ، والخوف من غيره . لأن كل شئ مسخر بأمر الله ، وكل إنسان يخشى الله ويعلم مدى قدرته لا ينبغي أن يخاف من غيره . إن مصدر جميع هذه الآلام هو الجهل وعدم إدراك حقيقة التوحيد ، ولو كان مسلمو اليوم بالمعنى الواقعي ( يعني مؤمنين موحدين حقا ) فإنهم لا يقفون بشجاعة أمام القوى الكبرى بإمكاناتها المادية والعسكرية فحسب ، بل إن القوى الكبرى هي التي تخشاهم وتخاف منهم ، كما نلاحظ نماذج حية لهذا المعنى ، حيث نرى دولا كبرى مع ما لديها من الأسلحة والوسائل المتطورة تخشى شعبا صغيرا لأنه مسلح بالإيمان ومتصف بالتضحية . وشبيه هذا المعنى ما ورد في قوله تعالى : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى