الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
205
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الظالمين ( 1 ) . ثم يستعرض دليلا واقعيا واضحا يعبر عن حالة الخوف والاضطراب حيث يقول سبحانه : لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر . " قرى " جمع قرية ، أعم من المزروعة وغير المزروعة ، وتأتي أحيانا بمعنى الناس المجتمعين في مكان واحد . " محصنة " من مادة ( حصن ) على وزن " جسم " بمعنى مسورة ، وبناء على هذا فإن ( القرى المحصنة ) تعني القرى التي تكون في أمان بوسيلة أبراجها وخنادقها والمواضع التي تعيق تقدم العدو فيها . " جدر " جمع جدار ، والأساس لهذه الكلمة بمعنى الارتفاع والعلو . نعم ، بما أنهم خرجوا من حصن الإيمان والتوكل على الله ، فإنهم بغير الالتجاء والاتكاء على الجدران والقلاع المحكمة لا يتجرؤون على مواجهة المؤمنين . ثم يوضح أن هذا ليس ناتجا عن جهل بمعرفة فنون الحرب ، أو قلة في عددهم وعدتهم ، أو عجز في رجالهم ، بل إن بأسهم بينهم شديد . إلا أن المشهد الذي عرض يتغير في حالة مواجهتهم لكم ويسيطر عليهم الرعب والاضطراب بصورة مذهلة . وهذا الأمر تقريبا يمثل أصلا كليا في مورد اقتتال الفئات غير المؤمنة فيما بينهم ، وكذلك محاربتهم للمؤمنين . ونشاهد مصاديق هذا المعنى بصورة متكررة أيضا في التأريخ المعاصر ، حيث نلحظ عند اشتباك مجموعتين غير مؤمنتين مع بعضهما شدة الفتك وقسوة الانتقام وشراسة المواجهة بينهما بصورة لا تدعو للشك في قوة كل منهما . . . ولكن لو تغيرت المعادلة ، وأصبحت المواجهة بين مجموعة غير مؤمنة بالله وأخرى مؤمنة مستعدة للشهادة في سبيل الله ، عند ذلك نرى أعداء الحق يلوذون إلى القلاع
--> 1 - آل عمران ، الآية 151 .