الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
191
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هذه الآيات - التي هي استمرار للآيات السابقة - تتحدث حول طبيعة مصارف الفئ الستة ، التي تشمل الأموال والغنائم التي حصل عليها المسلمون بغير حرب ، وقد أوضحت الآية المعني باليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، مع التأكيد على المقصود من أبناء السبيل بلحاظ أنهم يشكلون أكبر رقم من عدد المسلمين المهاجرين في ذلك الوقت ، حيث تركوا أموالهم ووطنهم نتيجة الهجرة ، وكانوا فقراء بعد أن هجروا الدنيا من أجل دينهم . يقول تعالى : للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم ( 1 ) يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون . هنا بينت الآية ثلاثة أوصاف مهمة وأساسية للمهاجرين الأوائل ، تتلخص ب : ( الإخلاص والجهاد والصدق ) . ثم تتناول الآية مسألة ( ابتغاء فضل الله ورضاه ) حيث تؤكد هذه الحقيقة وهي : أن هجرتهم لم تكن لدنيا أو لهوى نفس ، ولكن لرضا الله وثوابه . وبناء على هذا ف ( الفضل ) هنا بمعنى الثواب . و " الرضوان " هو رضا الله تعالى الذي يمثل مرحلة أعلى من مرتبة الثواب . كما بينت ذلك آيات عديدة في القرآن الكريم ، ومنها ما جاء في الآية 29 من سورة الفتح ، حيث وصف أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهذا الوصف تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا . ولعل التعبير ب ( الفضل ) إشارة إلى أن هؤلاء المؤمنين يتصورون أن أعمالهم قليلة جدا لا تستحق الثواب ، ويعتقدون أن الثواب الذي غمرهم هو لطف إلهي . ويرى بعض المفسرين " الفضل " هنا بمعنى الرزق ، أي رزق الدنيا ، فقد ورد في بعض الآيات القرآنية بهذا المعنى أيضا ، ولكن بما أن المقام هو مقام بيان
--> 1 - " للفقراء " بدل وتفسير لابن السبيل .