الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
172
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
القتل أو الأسر بيد المسلمين . . . إلا أن الله سبحانه أراد لهم التيه في الأرض والتشرد في العالم ، لأن هذا أشد ألما وأسى على نفوسهم ، إذ كلما تذكروا أرضهم وديارهم ومزارعهم وبساتينهم التي أصبحت بيد المسلمين . وكيف أنهم شردوا منها بسبب نقضهم العهد ومؤامراتهم ضد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فإن ألمهم وحزنهم ومتاعبهم تضاعف وخاصة على المستوى النفسي . نعم ، إن الله أراد لهذه الطائفة المغرورة والخائنة ، أن تبتلى بمثل هذا المصير البائس . وكان هذا عذابا دنيويا لهم ، إلا أن لهم جولة أخرى مع عذاب أشد وأخزى ، ذلك هو عذاب الآخرة ، حيث يضيف سبحانه في نهاية الآية ولهم في الآخرة عذاب النار . هذه عاقبتهم في الدنيا والآخرة ، وهي درس بليغ لكل من أعرض عن الحق والعدل وركب هواه ، وغرته الدنيا وأعماه حب ذاته . وبما أن ذكر هذه الحادثة مضافا إلى تجسيد قدرة الله وصدق الدعوة المحمدية ، فهي في نفس الوقت تمثل إنذارا وتنبيها لكل من يروم القيام بأعمال مماثلة لفعل بني النضير ، لذا ففي الآية اللاحقة يرشدنا سبحانه إلى هذا المعنى : ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ( 1 ) . " شاقوا " من مادة ( شقاق ) وهي في الأصل بمعنى الشق والفصل بين شيئين ، وبما أن العدو يكون دائما في الطرف المقابل ، فإن كلمة ( شقاق ) تطلق على هذا العمل . وجاء مضمون هذه الآية باختلاف جزئي جدا في سورة الأنفال الآية 13 ، وذلك بعد غزوة بدر وانكسار شوكة المشركين ، والتي تبين عمومية محتواها من
--> 1 - " من " شرطية وجزاؤها محذوف وتقديره : ومن يشاق الله يعاقبه فإن الله شديد العقاب .