الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
171
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
المقصود ، بالرغم من أن البعض الآخر لم يرتضوا ذلك . والخلاصة أن المقصود من العبرة والاعتبار في الآية أعلاه هو الانتقال المنطقي والقطعي من موضوع إلى آخر ، وليس العمل على أساس التصور والخيال . وعلى كل حال فإن مصير طائفة " بني النضير " بتلك القدرة والعظمة والشوكة ، وبتلك الصورة من الاستحكامات القوية ، صار موضع ( عبرة ) حيث أنهم استسلموا لجماعة من المسلمين لا تقارن قواتها بقواتهم ، وبدون مواجهة مسلحة ، بحيث كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم وتركوا بقية أموالهم للمسلمين المحتاجين ، وتفرقوا في بقاع عديدة من العالم ، في حين أن اليهود سكنوا في المدينة من أجل أن يدركوا النبي الموعود الذي ورد في كتبهم ، ويكونوا في الصف الأول من أعوانه كما ذكر المؤرخون ذلك . وبهذا الصدد نقرأ حديثا ورد عن الإمام الصادق حيث يقول : " كان أكثر عبادة أبي ذر رحمه الله التفكر والاعتبار " ( 1 ) . ومع الأسف فإن كثير من الناس يفضلون تجربة الشدائد والمحن والمصائب بأنفسهم ويذوقوا مرارة الخسائر شخصيا ، ولا يعتبرون ولا يتعظون بوضع الآخرين وما يواجهونه في أمثال هذه الموارد ، ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) " السعيد من وعظ بغيره " ( 2 ) . وتضيف الآية اللاحقة ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا . وبدون شك فإن الجلاء عن الوطن وترك قسم كبير من رؤوس الأموال التي جهدوا جهدا بليغا في الحصول عليها ، هو بحد ذاته أمر مؤلم لهم ، وبناء على هذا فإن مراد الآية أعلاه أنه لو لم يحل بهم هذا العذاب ، فإن بانتظارهم عذابا آخر هو
--> 1 - كتاب الخصال مطابق لنقل نور الثقلين ، ج 5 ص 274 . 2 - نهج البلاغة ، خطبة 86 .