الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
170
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وفي نهاية الآية - بعنوان استنتاج كلي - يقول تعالى : فاعتبروا يا اولي الأبصار . " اعتبروا " من مادة ( اعتبار ) وفي الأصل مأخوذة من العبور ، أي العبور من شئ إلى شئ آخر ، ويقال لدمع العين " عبرة " بسبب عبور قطرات الدموع من العين ، وكذلك يقال ( عبارة ) لهذا السبب ، حيث أنها تنقل المطالب والمفاهيم من شخص إلى آخر ، وإطلاق " تعبير المنام " على تفسير محتواه ، بسبب أنه ينقل الإنسان من ظاهره إلى باطنه . وبهذه المناسبة يقال للحوادث التي فيها دروس وعظات ( عبر ) لأنها توضح للإنسان سلسلة من التعاليم الكلية وتنقله من موضوع إلى آخر . والتعبير ب " اولي الأبصار " إشارة إلى الأشخاص الذين يتعاملون مع الحوادث بعين واقعية ويتوغلون إلى أعماقها . كلمة ( بصر ) تقال دائما للعين الباصرة ، و " البصيرة " تقال للإدراك والوعي الداخلي ( 1 ) . وفي الحقيقة أن " اولي الأبصار " هم أشخاص لهم القابلية على الاستفادة من ( العبر ) ، لذلك فإن القرآن الكريم يلفت نظرتهم للاستفادة من هذه الحادثة والاتعاظ بها . ومما لا شك فيه أن المقصود من الاعتبار هو مقايسة الحوادث المتشابهة من خلال إعمال العقل ، كمقارنة حال الكفار مع حال ناقضي العهد من يهود بني النضير ، إلا أن هذه الجملة لا ترتبط أبدا ب " القياسات الظنية " التي يستفيد منها البعض في استنباط الأحكام الدينية . والعجيب هنا أن بعض فقهاء أهل السنة استفادوا من الآية أعلاه لإثبات هذا
--> 1 - المفردات للراغب .