تقرير بحث النائيني للكاظمي
89
كتاب الصلاة
فمقتضى القاعدة في باب التزاحم هو قراءة السورة وانتقال التكليف بالوقت إلى بدله ، كما أن قاعدة باب التزاحم تقتضي فيما لو دار الأمر بين الطهارة المائية وبين إدراك الوقت التخيير أو تقديم الطهارة المائية لأهميتها ، وذلك لأن كلا من الطهارة المائية والوقت مما له البدل ، فالقاعدة تقتضي التخيير لو لم يكن في البين أهم ومهم ، هذا . ولكن لا يخفى عليك ضعفه وذلك لأنه لو وصلت النوبة إلى الترجيح بالبدلية واللابدلية ، كان الأمر كما ذكر ، إلا أن في المقام أمرا آخرا رتبته فوق رتبة البدلية ، وهو أنه من المقرر في باب التزاحم أيضا أنه لو كان أحد المتزاحمين مشروطا بالقدرة الشرعية ولم يكن الآخر مشروطا بها قدم ما لا يكون مشروطا بها على ما يكون مشروطا بها ، لأن غير المشروط يوجب سلب القدرة عن المشروط وقابل للتعجيز المولوي ، والمانع الشرعي كالمانع العقلي وهذا بخلاف المشروط ، فإنه غير صالح لسلب القدرة عن غير المشروط ، إلا على وجه دائر كما حققناه في محله ، والمقام يكون من هذا القبيل ، أما الطهارة المائية فتقيدها بالقدرة الشرعية واضح لقوله [ تعالى ] " فلم تجدوا ماء فتيمموا " ( 1 ) حيث أخذ عدم الوجدان قيدا في الدليل لوجوب التيمم فيعلم من ذلك أن الوضوء مقيد بالوجدان لأن التفصيل قاطع للشركة ، وهذا بخلاف الوقت إذا لم يكن اعتباره مشروطا بالقدرة الشرعية ، بل اعتباره مطلق غير مقيد إلا بما يعتبره العقل في سائر التكاليف من التمكن العقلي ، لقبح التكليف بما لا يطاق ، ومجرد جعل البدل للوقت وكون إدراك الركعة في الوقت يقوم مقام إدراك جميع الوقت لا يوجب ( 2 ) اشتراط الوقت
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 43 . ( 2 ) قد ذكرنا في محله أن نتيجة جعل البدل شرعا هو الاشتراط بالقدرة الشرعية ، بداهة أن معنى جعل البدل هو أن وجوب المبدل ليس مطلقا بحيث يسقط بلا بدل عنه عند عدم التمكن منه ، كما هو شأن الواجب المطلق بل وجوبه مشروط بالتمكن منه . فلازم جعل البدل هو اشتراط المبدل بالتمكن ومعلوم أن المراد بالتمكن غير التمكن العقلي ، إذ اشتراط الوجوب بالتمكن العقلي لا يختص بما إذا كان له البدل بل كل واجب يكون مشروطا بالتمكن لقبح التكليف بما لا يطاق ، فلو كان المبدل منه مشروطا بالقدرة العقلية كان جعل البدل مما لا معنى له ، إذ مع عدم التمكن منه يسقط قهرا ، فلو ثبت مع ذلك وجوب أمر آخر كان ذلك واجبا آخر مستقلا لا ربط له بذلك الساقط ولا معنى لتسميته بدلا ، فلازم البدلية هو تقيد المبدل بالقدرة الشرعية وحينئذ يعود الاشكال المتقدم من أن كلا من الوقت والطهارة المائية مشروطة بالقدرة الشرعية فعند الدوران لا وجه لتقديم الوقت هذا . ولكن يمكن أن يقال : إن الأمر وإن كان كما ذكر من أن كلا من الوقت والطهارة المائية مشروط بالمقدرة الشرعية إلا أنه فرق بين الاشتراطين ، فإن الطهارة المائية مشروط بالقدرة الشرعية في لسان الدليل بقول مطلق ولذا كل واجب غير مشروط بالقدرة يزاحمها ويقدم عليها وهذا بخلاف الوقت فإنه مشروط بالقدرة الشرعية بالنسبة إلى خصوص أفعال الصلاة ومن هنا لا يزاحم غير أفعال الصلاة الموقتة عند الدوران بل خصوص أفعال الصلاة تزاحم الوقت لأجل أنها لا بدل لها ، وأما الطهارة المائية فإن حفظ وجوبها وصارت كالأجزاء أمكن أن تزاحم الوقت حينئذ وتقدم كالأجزاء على الوقت ، إلا أن الشأن في حفظ وجوبها بعدما كان لها بدل . وبعبارة أخرى : إذا صارت نسبة الطهارة إلى الوقت كنسبة الأجزاء إليه كانت مقدمة على الوقت ولكن نسبتها ليست كنسبة الأجزاء حيث إن الأجزاء مما ليس لها بدل والطهارة لها يدل . والحاصل : أنه بعدما كان الوقت مشروط بالقدرة الشرعية بالنسبة إلى خصوص الصلاة ليس إلا فلا يمكن أن يزاحمه الطهارة المائية ، فتأمل جيدا " منه "