الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

488

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

النار " يعني اشتعالها واحتراقها ، ويقال " أجاج " للمياه التي تحرق الفم عند شربها لشدة ملوحتها ومرارتها وحرارتها . نختتم حديثنا هذا بحديث لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث ذكر الرواة أن النبي كان إذا شرب الماء قال : " الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا " ( 1 ) . وأخيرا نصل إلى سابع - وآخر - دليل للمعاد في هذه السلسلة من الآيات الكريمة ، وهو خلق النار التي هي أهم وسيلة لحياة الإنسان وأكثرها أهمية له في المجالات الصناعية المختلفة ، حيث يقول سبحانه : أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون . " تورون " : من مادة ( ورى ) على وزن ( نفى ) بمعنى الستر ، ويقال للنار التي تكون مخفية في الوسائل التي لها القابلية على الإشتعال والتي تظهر بشرارة " ورى " و " ايراء " ، وخروجها يكون عن . وتوضيح ذلك : إن لإشعال النار وإيجاد الشرارة الأولى ، والتي تستحصل اليوم بواسطة الكبريت والقداحات وما إلى ذلك ، فإنهم كانوا يحصلون عليها من الحديد والحجر المخصص للقدح ، حيث تظهر الشرارة بضرب الواحد بالآخر ، أما أعراب الحجاز فكانوا يستفيدون من نوعين من الشجر الخاص الذي ينمو في الصحراء وهما ( المرخ ) و ( العفار ) حيث يأخذون قطعتي خشب ويضعون الأولى أسفل والعفار فوقه فتتولد الشرارة منها كما تتولد من الحجر المستعمل للقدح . وفسر أغلب المفسرين الآية بأنها دليل آخر على قدرة الله البالغة في النار المخفية في خشب الأشجار الخضراء كمولد للشرر والنار ، في الوقت الذي تكون فيه الأشجار الخضراء مشبعة بالماء ، فأين الماء ؟ وأين النار ؟

--> 1 - تفسير المراغي ، ج 27 ، ص 148 ، وتفسير روح المعاني ، ج 27 ، ص 129 .