الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
482
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الملفت للنظر هنا أن الآية استعملت تعبير ( تحرثون ) من مادة ( حرث ) على وزن ( درس ) وهو يعني الزراعة ونشر الحبوب وتهيئتها للإنبات ، وفي الآية الثانية كان التعبير ب ( تزرعونه ) من مادة " زراعة " بمعنى النمو والنضج . ومن البديهي أن عمل الإنسان هو الحرث فقط ، أما النمو فهو من عمل الله سبحانه فقط ، ولذا نقل في حديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال : " لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت ، فإن الزارع هو الله " ( 1 ) . شرح هذا الدليل هو أن عمل الإنسان في الزرع كعمله في الإنجاب حيث ينثر البذرة ويتركها ، والله سبحانه هو الذي يخلق في وسط هذه البذرة الحياة ، فعندما توضع البذرة في محيط مهيأ من حيث التربة والضوء والماء ، فإنها تستفيد ابتداءا من المواد الغذائية المخزونة فيها إلى أن تصبح برعما وتولد جذرا ، ثم تنمو بسرعة عجيبة مستفيدة من المواد الغذائية الموجودة في الأرض حيث تعمل أجهزة عظيمة وتحدث تغييرات عميقة في داخل النبات ، تتمخض عن أغصان وسيقان وأوراق وثمار . . وأحيانا تنتج البذرة الواحدة عدة آلاف من البذور ( 2 ) . يقول العلماء : إن التركيبات الموجودة في بناء نبات واحد أعجب وأعقد بمراتب من التشكيلات الموجودة في مدينة صناعية عظيمة مع معاملها المتعددة . هل أن القوة التي لها مثل هذه القدرة تعجز عن إحياء الموتى مرة أخرى ؟ وفي الآية اللاحقة يؤكد الدور الهامشي للإنسان في نمو ورشد النباتات فيقول : لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون . نعم ، يستطيع البارئ أن يرسل رياحا سامة تقتل البذور قبل الإنبات
--> 1 - القسم الأول من الحديث جاء في تفسير مجمع البيان نهاية الآية مورد البحث ، ونقل القسم الثاني في روح البيان كإضافة عليه . 2 - بالرغم من أن الحبة الواحدة من الحنطة لا تنبت سوى عدة مئات من الحبوب ، إلا أنه كما قلنا في ج 2 من هذا التفسير : أنه قد وجد في بعض مزارع القمح في إحدى المحافظات الجنوبية لإيران أن سنبلة واحدة تحوي على أربعة آلاف حبة وذلك طبقا لما أعلنته منشورات صحفية .