الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

327

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ومعلوم أن المراد من " غدا " هو المستقبل القريب ، وإنه حقا لتعبير رائع . والسؤال المطروح هنا : في الوقت الذي نزلت هذه الآيات على قوم ثمود كان العذاب قد وقع عليهم مجازاة لأعمالهم ، فما معنى ( سيعلمون ) مع أنهم قد هلكوا ؟ . هنالك إجابتان على هذا السؤال : الأولى : إن حديث الآيات الكريمة كان موجها للنبي صالح ( عليه السلام ) ، ومن المعلوم أن العذاب لم يكن قد نزل بهم حينئذ . الثانية : إن المقصود من ( غدا ) هو يوم القيامة الذي سيظهر فيه كل شئ بوضوح . ( والتفسير الأول هو الأنسب عند ملاحظة الآيات اللاحقة ) . وهنا يطرح تساؤل آخر : لماذا قال تعالى : سيعلمون غدا ؟ في الوقت الذي لمس مشركو قوم ثمود صدق دعوة النبي صالح ( عليه السلام ) لما شاهدوه من معجزاته غير القابلة للإنكار ؟ ويتضح الجواب على هذا التساؤل إذا علمنا أن للعلم مراتب ، ويمكن إنكاره من قبل الآخرين في بعض مراتبه ، وقد يصل العلم بهم إلى مرتبة ، لا يمكن إنكارها لما تمثله من حقيقة صارخة متجسدة للعيان ، والمقصود هنا من جملة : سيعلمون غدا هو العلم الحقيقي الذي لا يمكن إنكاره ، والذي هو حقيقة العذاب الذي سيحل بقوم ثمود بصورة لا ريب فيها مطلقا . ثم يشير سبحانه إلى قصة " الناقة " التي أرسلت كمعجزة ودلالة على صدق دعوة صالح ( عليه السلام ) حيث يقول : إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر . ( الناقة ) أنثى البعير ، وهي ليست كبقية النوق لما تتصف به من خصوصيات خارقة للعادة ، وطبقا للروايات المشهورة فإن هذه الناقة قد خرجت من بطن صخرة جبل حجة دامغة للمنكرين والمعاندين . معنى " الفتنة " - كما مر في بحث سابق - هو التمحيص والاختبار ، واكتشاف مدى الإخلاص والصفاء والاستقامة عند الإنسان .