الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
45
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الأول : كيف أقر القرآن استخدام الإنسان وتسخيره من قبل الإنسان ؟ ألا يماثل هذا نظام الطبقات الاقتصادية ، أي نظام المستثمرين والمستثمرين ؟ الثاني : أن الأرزاق والمعايش إذا كانت مقسمة من قبل الله تعالى ، فأي ثمرة يمكن أن تنتج عن جهودنا ومساعينا ؟ ألا يعني هذا إطفاء مشاعل السعي ومصابيح الجهاد من أجل الحياة ؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة تتضح بالتدقيق في متن الآية ، لأن هؤلاء يتصورون أن معنى الآية هو أن جماعة معينة من البشر تسخر جماعة أخرى لأنفسها تسخيرا ظالما يمتص الدماء والجهود ، في حين أن الأمر ليس كذلك ، بل هو استخدام الناس بعضهم بعضا ، أي أن كل جماعة من الناس لهم إمكانيات واستعدادات خاصة يستطيعون العمل بواسطتها في مجال ما من شؤون الحياة ، وهم بطبيعة الحال يقدمون خدماتهم في ذلك الحقل إلى الآخرين ، كما أن خدمات الآخرين في الحقول الأخرى تقدم إليهم . والخلاصة : هو استخدام متبادل ، وخدمة ذات طرفين ، وبتعبير آخر : فإن الهدف من التسخير هو التعاون في أمر الحياة ، ولا شئ آخر . ولا يخفى أن البشر لو كانوا متساوين جميعا من ناحية الذكاء والاستعداد الروحي والجسمي ، فسوف لن تتهيأ مستلزمات الحياة الاجتماعية ، والنظم الحياتية مطلقا ، كما أن خلايا جسم الإنسان لو كانت متشابهة من ناحية البنية والرقة والمقاومة لاختل نظام الجسم ، فأين خلايا عظم كعب القدم القوية جدا من خلايا العين الرقيقة ؟ إن لكل من هاتين مهمة خاصة بنيت على أساسها . والمثال الحي الذي يمكن أن يضرب لهذا الموضوع هو الخدمات المتبادلة في جهاز التنفس ، ودوران الدم ، والتغذية ، وسائر أجهزة بدن الإنسان ، التي هي مصداق واضح ل ليتخذ بعضهم بعضا سخريا في إطار نشاطات البدن الداخلية ، فهل يمكن الإشكال على مثل هذا التسخير ؟ وهل فيه خلل أو نقص ؟