الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
46
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فإن قيل : إن جملة : رفعنا بعضهم فوق بعض درجات دليل على عدم العدالة الاجتماعية . قلنا : هذا يصح في حالة تفسير العدالة بالمساواة ، في حين أن العدالة تعني وضع كل شئ في محله ضمن منظومته ، فهل أن وجود سلسلة المراجع والرتب في فرقة عسكرية ، أو تنظيم إداري ، أو في الدولة ، دليل على وجود الظلم في تلك الأجهزة ؟ من الممكن أن يستعمل بعض الناس كلمة " المساواة " في مجال الشعارات من دون الالتفات إلى معناها الواقعي ، أما في الواقع العملي فلا يمكن أن يتم أو يقوم أي نظام بدون الاختلاف والتفاوت ، غير أن هذا التفاوت يجب أن لا يكون ذريعة لأن يستغل الإنسان أخاه الإنسان أبدا ، بل يجب أن يكون الجميع أحرارا في استعمال قواهم الخلاقة ، وتنمية نبوغهم وإبداعهم ، والاستفادة من نتائج نشاطاتهم بدون زيادة أو نقصان ، وأما في حال عجزهم فيجب على القادرين أن يجدوا ويجتهدوا في رفع النواقص وسد ما يحتاجونه . وأما فيما يتعلق بالسؤال الثاني ، وهو : كيف يمكن المحافظة على شعلة الجهاد والسعي والاجتهاد وهاجة مع كون الرزق معينا ؟ فإن الاشتباه ناشئ من تصورهم أن الله سبحانه لم يجعل لسعي الإنسان واجتهاده أي أثر أو دور . صحيح أن الله سبحانه خلق القابليات متفاوتة لمختلف النشاطات ، وصحيح أن العوامل الخارجة عن إرادة الإنسان مؤثرة في مسير حياته ، لكن مع ذلك فإنه سبحانه قد جعل سعيه واجتهاده أيضا أحد العوامل الأساسية ، وأوضح سبحانه ببيان أصل : أن ليس للإنسان إلا ما سعى ( 1 ) ، أن سعادة الإنسان وما يجنيه ويحصل عليه يرتبط بسعيه واجتهاده . وعلى أية حال ، فإن النكتة الغامضة والدقيقة تكمن في أن البشر ليسوا
--> 1 - النجم ، الآية 39 .