الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

26

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إن التعبير ب‍ " الجزء " يبين من جانب أن هؤلاء كانوا يعتبرون الملائكة أولاد الله تعالى ، لأن الولد جزء من وجود الأب والأم ، وينفصل عنهما كنطفة تتكون وتتلقح ، وإذا ما تلقحت تكون الولد من تلك اللحظة . ويبين من جانب آخر قبولهم عبادتها ، لأنهم كانوا يظنون الملائكة جزءا من الآلهة في مقابل الله سبحانه . ثم إن هذا التعبير استدلال واضح على بطلان اعتقاد المشركين الخرافي ، لأن الملائكة إن كانت أولادا لله سبحانه ، فإن ذلك يستلزم أن يكون لله جزء ، ونتيجة ذلك أن ذات الله مركبة سبحانه ، في حين أن الأدلة العقلية والنقلية شاهدة على بساطة وجوده وأحديته ، لأن الجزء مختص بالموجودات الممكنة . ثم تضيف : إن الإنسان لكفور مبين فمع كل هذه النعم الإلهية التي أحاطت بوجوده ، والتي مر ذكر خمس منها في الآيات السابقة ، فإنه بدل أن يطأطئ رأسه إعظاما لخالقه ، وإجلالا لولي نعمته ، سلك سبيل الكفر واتجه إلى مخلوقات الله ليعبدها ! في الآية التي بعدها يستثمر القرآن الثوابت الفكرية لدى هؤلاء من أجل إدانة هذا التفكير الخرافي ، لأنهم كانوا يرجحون جنس الرجل على المرأة ، وكانوا يعدون البنت عارا - عادة - يقول تعالى : أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ؟ فإذا كان مقام البنت أدنى في اعتقادكم ، فكيف ترجحون أنفسكم وتعلونها على الله ، فتجعلون نصيبه بنتا ، ونصيبكم ولدا ؟ صحيح أن المرأة والرجل متساويان في القيم الإنسانية السامية عند الله سبحانه ، إلا أن الاستدلال باعتقادات المخاطب يترك أحيانا في فكره أثرا يدفعه إلى إعادة النظر فيما يعتقد . وتتابع الآية التالية هذا البحث ببيان آخر ، فتقول : وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم . والمراد من بما ضرب للرحمن مثلا هم الملائكة الذين كانوا يعتبرونهم بنات