الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

27

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الله ، وكانوا يعتقدون في الوقت نفسه أنها آلهتهم ، وأنها شبيهة به - سبحانه - ومثله . إن لفظة ( كظيم ) من مادة " كظم " ، وتعني الحلقوم ، وجاءت أيضا بمعنى غلق فم قربة الماء بعد امتلائها ، ولذلك فإن هذه الكلمة استعملت للتعبير عمن امتلأ قلبه غضبا أو غما وحزنا . وهذا التعبير يحكي جيدا عن خرافة تفكير المشركين البله في عصر الجاهلية فيما يتعلق بولادة البنت ، وكيف أنهم كانوا يحزنون ويغتمون عند سماعهم بولادة بنت لهم ، إلا أنهم في الوقت نفسه كانوا يعتقدون بأن الملائكة بنات الله سبحانه ! وتضيف في الآية الكريمة : أو من ينشؤ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ( 1 ) . لقد ذكر القرآن هنا صفتين من صفات النساء غالبا ، تنبعثان من ينبوع عاطفتهن ، إحداهما : تعلق النساء الشديد بأدوات الزينة ، والأخرى : عدم امتلاكهن القدرة الكافية على إثبات مرادهن أثناء المخاصمة والجدال لحيائهن وخجلهن . لا شك أن بعض النسوة ليس لديهن هذا التعلق الشديد بالزينة ، ولا شك أيضا أن التعلق بالزينة ومحبتها في حدود الاعتدال لا يعد عيبا في النساء ، بل أكد عليها الإسلام ، إلا أن المراد هو أكثرية النساء اللاتي تعودن على الإفراط في الزينة في أغلب المجتمعات البشرية ، وكأنهن يولدن بين أحضان الزينة ويتربين في حجرها . وكذلك لا يوجد أدنى شك في أن بعض النسوة ارتقين أعلى الدرجات في قوة المنطق والبيان ، لكن لا يمكن إنكار ضعف النساء عند المخاصمة والبحث والجدال ، إذا ما قورنت بقدرة الرجال ، وذلك بسبب خجلهن وحيائهن . والهدف بيان هذه الحقيقة ، وهي : كيف تظنون وتعتقدون بأن البنات أولاد الله سبحانه ، وأنكم مصطفون بالبنين ؟

--> 1 - " ينشؤ " من مادة " الإنشاء " ، أي إيجاد الشئ ، وهنا بمعنى تربية الشئ وتنميته ، و " الحلية " تعني الزينة ، و " الخصام " هو المجادلة والنزاع على شئ ما .