ابن شعبة الحراني

396

تحف العقول عن آل الرسول ( ص )

يا هشام إن مثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل ، يحذرها الرجال ذووا العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم . يا هشام اصبر على طاعة الله واصبر عن معاصي الله ، فإنما الدنيا ساعة ، فما مضى منها فليس تجد له سرورا ولا حزنا . وما لم يأت منها فليس تعرفه ، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اغتبطت ( 1 ) . يا هشام مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله . يا هشام إياك والكبر ، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر . الكبر رداء الله ، فمن نازعه رداءه أكبه الله في النار على وجهه . يا هشام ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فإن عمل حسنا استزاد منه . وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه . يا هشام تمثلت الدنيا للمسيح عليه السلام في صورة امرأة زرقاء فقال لها : كم تزوجت ؟ فقالت : كثيرا ، قال : فكل طلقك ؟ قالت : لا بل كلا قتلت . قال المسيح عليه السلام : فويح لأزواجك الباقين ، كيف لا يعتبرون بالماضين . يا هشام إن ضوء الجسد في عينه ، فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله . وإن ضوء الروح العقل ، فإذا كان العبد عاقلا كان عالما بربه وإذا كان عالما بربه أبصر دينه . وإن كان جاهلا بربه لم يقم له دين . وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحية ، فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة ، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل . يا هشام إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا ( 2 ) . فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار ، لان الله جعل التواضع آلة العقل وجعل التكبر من آلة الجهل ، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف ( 3 ) برأسه

--> ( 1 ) اغتبظ : كان في مسرة وحسن حال . وفي بعض النسخ [ قد احتبطت ] . ( 2 ) الصفا : الحجر الصلد الضخم . ( 3 ) شمخ - من باب منع - : علا ورفع .