ابن شعبة الحراني

277

تحف العقول عن آل الرسول ( ص )

حرموا وليس ذلك عندك ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ، ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة وما الناس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم ( 1 ) إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره . فالله لنا ولك وهو المستعان . أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم ( 2 ) ، لاصقة بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين الله حجاب ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا . فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنه ، الجاهل في علمه المأفون في رأيه ( 3 ) ، المدخول في عقله . إنا لله وإنا إليه راجعون . على من المعول ( 4 ) ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى الله بثنا وما نرى فيك ونحتسب عند الله مصيبتنا بك . فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلا ، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا ، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا . مالك لا تنتبه من نعستك وتستقيل من عثرتك فتقول . والله ما قمت لله مقاما واحد أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا ، فهذا شكرك من استحملك ( 5 ) . ما أخوفني أن تكون كمن قال الله تعالى في كتابه : " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ( 6 ) " استحملك كتابه واستودعك علمه فأضعتها ، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام .

--> ( 1 ) تاقت : اشتاقت . ( 2 ) الأسمال : جمع سمل - بالتحريك - : الثوب الخلق البالي . ( 3 ) المأفون : الذي ضعف رأيه . والمدخول في عقله : الذي دخل في عقله الفساد . ( 4 ) المعول : المعتمد والمستغاث . واستعتبه : استرضاه . والبث : الحال ، الشتات ، أشد الحزن . ( 5 ) استحملك : سألك أن يحمل . وفى بعض النسخ [ من استعملك ] . أي سألك أن يعمل . ( 6 ) سورة مريم آية 59 .