ابن شعبة الحراني
187
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فما بال أقوام يذمون الدنيا ؟ انتحلوا الزهد فيها . الدنيا منزل صدق لمن صدقها ومسكن عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومسكن أحبائه ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا منها الجنة ، فيمن ذا يذم الدنيا يا جابر ؟ وقد آذنت ببينها ( 1 ) ونادت بانقطاعها ونعت نفسها بالزوال ومثلت ببلائها البلاء وشوقت بسرورها إلى السرور وراحت بفجيعة وابتكرت بنعمة وعافية ترهيبا وترغيبا ، يذمها قوم عند الندامة . خدمتهم جميعا فصدقتهم ( 2 ) . وذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا وخوفتهم فخافوا . وشوقتهم فاشتاقوا . فأيها الذام للدنيا المغتر بغرورها متى استذمت إليك بل متى غرتك بنفسها ؟ بمصارع آبائك من البلى ؟ ( 3 ) أم بمضاجع أمهاتك من الثرى ؟ . كم مرضت بيديك وعللت بكفيك ( 4 ) ، تستوصف لهم الدواء . وتطلب لهم الأطباء ، لم تدرك فيه طلبتك ولم تسعف فيه بحاجتك ( 5 ) ، بل مثلت الدنيا به نفسك وبحاله حالك غداة لا ينفعك أحباؤك ولا يغني عنك نداؤك ، حين يشتد من الموت أعالين المرض وأليم لوعات المضض ، حين لا ينفع الأليل ( 6 ) ولا يدفع العويل ،
--> ( 1 ) آذنت - بمد الهمزة - أي أعلمت ببعدها . ونعاه إذا أخبر بفقده . ( 2 ) راحت : وافت وقد العشى . وابتكرت : أصبحت . ومن قوله : " راحت بفجيعة " إلى هنا في مطالب السؤول هكذا [ فان راحت بفجيعة فقد غدت بمبتغى وان أغضرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى ، ذمها رجال يوم الندامة ومدحها آخرون ، حدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا ] . وفى الأمالي [ فابتكرت بعافية وراحت بفجيعة فذمها رجال فرطوا غداة الندامة وحمدها آخرون اكتسبوا فيها الخير ] . ( 3 ) المصرع : مكان الصرع أي السقوط . والبلى - بكسر الباء : الفناء بالتحلل . والثرى : التراب الندى . ( 4 ) مرض المريض : خدمه في مرضه . وعلله : خدمه في علته . وفى الأمالي [ وعالجت بكفيك تلتمس لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء لم تنفعهم بشفاعتك ولم تسعفهم في طلبتك ] . ( 5 ) الطلبة - بالكسر - : ما يطلب أي المطلوب . وتسعف بحاجته أي تقضاها له . ( 6 ) " أعالين المرض " كذا في جميع النسخ التي رأيناها ولعله جمع إعلان . ولوعات : جمع لوعة وهي الحرقة من هم أو شوق . والمضض : الألم والوجع . ولوعة المضض : حرقته . والأليل : الأنين والثكل . والعويل : رفع الصوت بالبكاء والصياح .