ابن شعبة الحراني
159
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
* ( وصفه عليه السلام المتقين ) * قال - بعد حمد الله والثناء عليه ( 1 ) - : إن المتقين في الدنيا هم أهل الفضائل ، منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع ، خضعوا لله بالطاعة ، غاضين أبصارهم عما حرم الله جل وعز ، واقفين أسماعهم على العلم ، نزلت منهم أنفسهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء رضى بالقضاء ، لولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ( 2 ) وهم والنار كمن قد رآها وهم فيها معذبون قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة وأجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة ومعونتهم للاسلام عظيمة . صبروا أياما قصارا فأعقبتهم راحة طويلة مربحة يسرها لهم رب كريم . أرادتهم الدنيا ولم يريدوها . وطلبتهم فأعجزوها . أما الليل فصافون أقدامهم ، تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا ( 3 ) يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم ( 4 ) . وتهيج أحزانهم بكاءا على ذنوبهم . ووجع كلومهم ( 5 ) وجراحهم . فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا وتطلعت أنفسهم إليها شوقا وظنوا أنها نصب أعينهم . وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم ومفترشون جباههم وأكفهم وأطراف الاقدام ( 6 ) يطلبون إلى الله العظيم في فكاك رقابهم .
--> ( 1 ) - منقول في النهج مع اختلاف يسير . ( 2 ) في بعض النسخ [ متكئون ] . ( 3 ) في بعض النسخ [ يتلونه ترسلا ] والترسل في القراءة : الترتل . ( 4 ) أي يختارون وفى بعض النسخ [ يستشيرون ] وفى بعض نسخ الحديث [ يستشفعون ] . ( 5 ) الكلوم : جمع كلم - بالفتح - : الجرح . ( 6 ) هذا ذكر لكيفية ركوعهم وسجودهم في آناء الليل . وقوله : " يطلبون " إلى قوله : " فكاك رقابهم " ذكر لغرضهم من عبادتهم تلك .